مجلة البيان - (ج 50 / ص 70)
د. أحمد عجاج
لم يكن يخطر أبداً في بال عائلة سعدو اللبنانية التي هربت من جحيم الحرب الأهلية في لبنان بأنها ستواجه مأزقاً بعد اليوم. فقد حطت رحالها أخيراً في بلدة هنكس الألمانية على نهر الراين، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات بالأمان والحرية . ولكن لم يكن هذا الشعور إلا وهماً وسراباً. ففي منتصف ليل الخامس من اكتوبر الماضي ودون سابق إنذار اشتعل منزلها وأصيبت طفلتاها اللتان لم تتجاوزا بعد سن السادسة والثامنة بحروق خطيرة إثر هجوم قامت به العصابات النازية الجديدة بالقنابل الحارقة عليها . وسبب الهجوم بسيط جداً وهو أن تلك العائلة لا تنتسب إلى الجنس الألماني العظيم !
وعائلة سعدو ليست إلا واحدة من عدة عائلات تعرضت إلى ما هو أفظع وأشنع من ذلك بكثير على يد تلك المجموعات النازية الجديدة التي تطالب بتطهير ألمانيا من الغرباء الذين يشوهون منظرها ويزيدون أعباءها.
إن تصاعد الخطاب العنصري في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوربية ليس بحد ذاته حدثاً عابراً أو أمراً عارضاً بل هو يلمس جوهر السياسة الأوربية الجديدة في تعاملها المستقبلي مع الأقليات الموجودة على الأراضي الأوربية . ففرنسا تجد نفسها أمام تصاعد نجم العنصري"ماري لوبان"وألمانيا تقف عاجزة أمام موجات العنف التي يشنها المتطرفون ضد الأقليات واللاجئين من العالم الثالث، وبريطانيا تعرب عن قلقها إزاء تصاعد نشاط الجبهة القومية البريطانية، وسويسرا درة الغرب تحاول أن تتجنب تلك الموجات العنصرية المشينة .
وأوربا تعيش الآن مرحلة خطيرة من تاريخها الحديث الذي لا يختلف بنتائجه وآثاره عن تلك المرحلة المظلمة التي استساغت فيها أوربا استبعاد الشعوب واستغلال طاقاتها معتمدة على تبريرات واهية ترتكز إلى اللون والدين ودرجة التمدن. فالحملة العنصرية ضد المهاجرين ، أي اللاجئين كما يطلق عليهم ، بلغت مرحلة خطيرة جداً إذ أصبح معها المهاجرون غير آمنين حتى في بيوتهم وبحاجة دائمة لحماية من الشرطة. وتزامنت الحملة هذه مع تزايد البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين إلى أوربا.
وتصاعد الكراهية وموجة العداء لا ينطلقان من فراغ بل يستندان إلى مبررات ومسببات عديدة تجد تشجيعاً وتغذية من الأحزاب العنصرية التي تعمل ليل نهار على نشر مشروعها العنصري . فالأحزاب العنصرية لها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية التي ترى فيها تفوقها وأفضليتها وأصالتها وسموها على بقية الأجناس البشرية . هذه الأحزاب والجماعات تتعامل مع موضوع المهاجرين من زاوية عنصرية بحتة . فهي ترى في وجودهم على أرضها تشويهاً لجمال بلادها وخطوة خطيرة نحو زوال نفوذها وسيطرتها وطمساً لحضارتها العظيمة . ولم لا وهي تعتقد بأن أولئك المهاجرين لا يتمتعون بأي رصيد حضاري ولا همّ لهم سوى الاستيلاء على المدن الراقية وصبغها بلونهم شأنهم في ذلك شأن البرابرة . فأكثر ما يزعج تلك الجماعات العنصرية وجود أقليات كثيرة في مدنها الراقية مما يغير من طبيعتها ونمطها . لذا يطلقون على مرسيليا الفرنسية على سبيل النكتة والتهكم بأنها"عربية أكثر من الجزائر"نظراً لوجود أعداد هائلة فيها من المهاجرين العرب من شمال أفريقيا .
والخطورة لا تكمن في وجود تلك الأحزاب بل في أنها تعمل في جو من الحرية وضمن إطار الديموقراطية ، دون حسيب أو رقيب وضوابط وقيود . والحرية الممنوحة لتلك الجماعات تجاوزت الحدود الممكنة التي يمكن السماح بها في أي ديموقراطية . فقد وصل الأمر أخيراً أن تطرح الأحزاب العنصرية برامج سياسية تدعو إلى التخلص من جميع المهاجرين سواء كانوا مواطنين أصليين أم لا انطلاقاً من أن أوربا للأوربيين وأنه من غير المجدي والممكن أن يتعايش الجميع فيها. فالرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان وغيره من الساسة المحترمين أمثاله لم يتورعوا عن إطلاق تصريحات عنصرية آملين من وراء ذلك أن يحصلوا على أصوات الناخبين الفرنسيين وسحب البساط من تحت أقدام الحزب العنصري الذي يتزعمه ماري لوبان . فقد صرح ديستان أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة الفيغارو الفرنسية الواسعة الانتشار بأن من الضروري التحرك لوضع حد لهجرة أبناء العالم الثالث مشبهاً إياها بالغزو الذي يتوجب مواجهته قبل فوات الأوان . ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك بكثير عندما أعلن رئيس وزراء فرنسا السابق جاك شيراك في احتفال حزبي عن امتعاضه من"صخب العرب وضوضائهم"ومن"روائحهم البشعة" (1) .