عبد الله زقيل
مقدمة:
الحمد لله، وبعد:
لقد سمعنا ورأينا عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة قصة زواج الشابة البحرانبة من ذلك الكافر عابد الصليب، وقد أصابت الدهشة الناس من هذا الخبر، وأصبحت القصة فاكهة المجالس، والعجيب أن وسائل الإعلام الأمريكية - كما هي عادتها - جعلت هذا الموضوع حديث غالب شبكاتها الإعلامية، وأثارت الموضوع بشكل ملفت للنظر.
ولست بصدد التحدث عن وقائع تلك القصة فهذا أمر ننزه أسماعنا عنه، وإنما نريد أن نقف مع حكم شرعي من خلال هذه الحادثة ألا وهو حكم زواج المسلمة من الكافر، وذلك من خلال نصوص الوحيين، وكلام العلماء.
أدلة تحريم زواج المسلمة من الكافر:
الأدلة من القران الكريم:
1 -قال - تعالى:"وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [البقرة: 221]
ذكر الله - تعالى -في هذه الآية حكمين:
الحكم الأول: زواج المسلم من المشركة، والمقصود بالمشركة هنا الوثنية التي لم ينزل عليها كتاب من الكتب السماوية.
روى الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله - في تفسيره (4/363) بإسناد حسن عن قتادة أنه قال في قوله - تعالى:"وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ": يعني مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه.
وقد استثنى الله من هؤلاء المشركات اللاتي ليس لهن دين سماوي نساء أهل الكتاب قال - تعالى:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ" [المائدة: 5] .
قال ابن جرير - رحمه الله - بعد ذكر الأقوال في مسألة نكاح المشركة (4/365) : وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية ما قاله قتادة من أن الله - تعالى -ذكره عنى بقوله:"وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ"من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام على ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها. وذلك أن الله - تعالى -ذكره أحل بقوله:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات. ا. هـ.
وقال ابن كثير في تفسيره (1/474) : هذا تحريم من الله - عز وجل - على المؤمنين أن يتزوجوا من المشركات من عبدة الأوثان ثم إن كان عمومها مراداً وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خُص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ". قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:"وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ"استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان ولم يُرد أهل الكتاب بالكلية والمعنى قريب من الأول والله أعلم. ا. هـ.
الحكم الثاني: حكم نكاح المسلمة من الكافر وهو ما يهمنا فالآية صريحة في تحريم نكاح المسلمة من الكافر سواء كان وثنيا أو يهوديا أو نصرانيا.
قال أبو جعفر الطبري - رحمه الله - في تفسيره (4/370) : يعني - تعالى -ذكره بذلك، أن الله حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركا كائنا من كان المشرك، ومن أي أصناف الشرك كان، قلا تنكحوهن أيها المؤمنون منهم، فإن ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه. ا. هـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - في تيسير الكريم المنان (ص99) :"وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا"وهذا عام لا تخصيص فيه. ا. هـ.
2 قال - تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" [الممتحنة: 11]
قال ابن كثير في تفسيره (8/93) : وقوله:"لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ"هذه الآية حَرّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة. ا. هـ. فهذان دليلان من كتاب الله صريحان في تحريم زواج الكافر من المسلمة.
الأدلة من السنة:
أما الأدلة من السنة فلا يكاد يثبت حديث في هذه المسألة، وإنما الوارد في ذلك أحاديث معلولة وهي: