فهرس الكتاب

الصفحة 8319 من 27364

الرباط / إدريس الكنبوري 6/8/1427

يجمع المراقبون الأوروبيون على أن حرب لبنان كانت مرآة عاكسة للغياب الأوروبي بامتياز، مقابل حضور أمريكي لافت من خلال لعب الدور الرئيس في الواجهة كداعم قوي للعدوان الإسرائيلي على لبنان. لقد انتهت حرب لبنان بإخفاق ذريع للمشروع الأمريكي في المنطقة؛ لأن خطة"الشرق الأوسط الجديد"الذي بشرت به وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في لحظة اشتعال النيران، ظهر أنه ولد ميتاً ما أن انطفأت النيران بصدور القرار الأممي 1701؛ إذ بالنسبة لواشنطن كان العدوان الإسرائيلي على لبنان محاولة هندسية لرؤية مدى القدرة على تغيير المنطقة بعد تحييد المقاومة، ومن تم فرض إسرائيل كقوة إقليمية في المنطقة، وإرغام حركة حماس والشعب الفلسطيني على قبول كمشة الهدايا التي يمكن للإدارة الأمريكية تقديمها من غير اعتراض.

أما على الصعيد الأوروبي، فالأمر بدا منذ الأيام الأولى للعدوان إخفاقاً ذريعاً للاتحاد الأوروبي في لعب دور متوازن يليق بحجمه وطموحاته الإستراتيجية والسياسية في العالم والمنطقة العربية. صحيح أن التحركات الأوروبية كانت حاضرة وحتى اليوم الأخير للعدوان؛ إذ إن إيطاليا احتضنت يوم 26 يوليو اجتماع روما لبحث القضية اللبنانية، وقدمت بريطانيا مشروعاً لإنهاء الأزمة بتفاهم مع واشنطن لكن هذه الأخيرة صرفت النظر عنه، وفي النهاية لعبت فرنسا دوراً معيناً بصيغة أو أخرى في التوصل إلى القرار 1701 يوم 11 أوغست الجاري، وقدمت مشروعها الخاص إلى مجلس الأمن، غير أن ذلك لم يعكس في الحقيقة الثقل الأوروبي على الساحة الدولية، وبقيت أوروبا خارج السياق طيلة أيام الحرب، وحتى في الوقت الذي بدا فيه أن الحرب تسير نحو إسقاط الأجندة الأمريكية في المنطقة والعالم، وكان هناك ضرورة للتحرك الأوروبي لاستغلال الوضع والقبض على المناسبة، ظلت غائبة، واكتفت بانتظار القرار الأمريكي، وأكثر من ذلك، كانت وجهات نظر البلدان الأوروبية أعضاء الاتحاد الأوروبي متباينة فيما يتعلق بسبل الخروج من الأزمة، وفي تفاصيل الحل، وعلى سبيل المثال كان الموقف الفرنسي يميل إلى الحوار مع إيران، وأثار وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي أثناء لقائه بنظيره الإيراني منوشهر متقي في مقر السفارة الإيرانية في بيروت حول كون إيران"عنصر توازن"في المنطقة انتقادات واسعة وسط الحلفاء الأوروبيين، أما ألمانيا التي ظهر أن علاقاتها بواشنطن دخلت مرحلة جديدة قوامها التفاهم والتقارب بعد مجيء أنجيلا ميريكل، فقد كان موقفها يميل إلى فتح حوار مع دمشق وليس مع طهران. وإلى هذا التباين الواسع في وجهات النظر برز هناك خلاف أوروبي ـ أوروبي حول أولوية وقف إطلاق النار على نشر القوات الدولية وما الذي ينبغي أن يسبق الآخر، كل هذا ما عرّى حقيقة أن هناك"اتحاداً"أوروبياً بالمعنى السياسي الذي يتضمن وحدة في المصالح المشتركة وتقارباً في المواقف، بمثل ما أضعف الموقف الأوروبي المشترك في مواجهة الموقف الأمريكي، وأظهرها بمظهر الاتحاد الذي لا يتكلم لغة واحدة، ولا ينطق بصوت واحد.

الانقسام الأوروبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت