عبد الكريم بكار 20/8/1424
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
نحن أهل كرامة جريحة، وهذا الشعور بذلك يأتينا من مصدرين:
من التاريخ أولاً؛ إذ إننا أمة ظلت صاحبة حضارة مهيمنة مدة لا تقل عن سبعة قرون، واستمرت إشعاعات عطاءاتها ثلاثة قرون إضافية، ويزيد في إحساسنا بالإهانة أننا في منتصف القرن الرابع عشر الهجري واجهنا -بوصفنا"أمة ذات منهج ورسالة"- تيارات عديدة، يرمي جميعها إلى طمس هذا المعنى، وجعل وعي الأمة ينفتح على معان وطنية وإقليمية وقومية وعلمانية ....، بوصفها بديلاً عن الانفتاح على أخص خصائصنا، وهو العبودية لله - تعالى - والاحتكام إلى الشريعة في الشؤون العامة والخاصة، وفي مواجهة هذا الاستلاب اجتهد المثقفون والغيورون في تلك المرحلة - وكانوا فيما ذهبوا إليه على صواب إلى حد بعيد - في كيفية مواجهة ذلك، وانتهوا إلى قرار بالذهاب إلى التاريخ على اعتبار أنه الذاكرة الحضارية للأمة والخزان الأساسي لأمجادها وبطولاتها. ونذكر كيف نشطت في تلك المرحلة الكتب التي تتحدث عن العبقريات وعن سير الرجال العظماء والنماذج التاريخية الفذة، والمعارك المظفرة، والإنجازات العلمية الباهرة، بالإضافة إلى بلورة شيء من حكمة التشريع وكون الإسلام لا يتناقض مع العلم... وأسدل الستار على نحو شبه تام على كل الألوان الرمادية والباهتة التي كانت جزءاً من ألوان ذلك التاريخ، كما تم الإعراض عن الحديث عن الأسباب التي أدت إلى توقف الحضارة الإسلامية عن العطاء؛ لأن الكشف عنها في تلك المرحلة كان سيؤدي إلى الإحباط، ويجعل الناس شبه مجردين من أسلحة المقاومة للتيارات التي أشرت إليها. وقد أدت تلك القراءات المبتسرة والجزئية دورها بكفاءة واقتدار في إنقاذ الذات لمسلمة والثقافة الإسلامية من هزيمة نكراء. وهكذا فقد ترسخ في وعي الأجيال الحاضرة وفي حسَّها مشاعر عميقة بالظلم الذي يلحقه بنا الآخرون اليوم، وبالهوان إذ خسرنا معظم الإنجازات التي كنا نفاخر بها في الأيام الخالية.
وأعتقد أن شيئاً من العلاج لهذا سيكون في إعادة قراءة التاريخ على نحو متوازن وبمنهجية سببية واستقصائية ذكية ومتقنة.
المصدر الثاني لإحساسنا بجرح كرامتنا؛ هو الواقع الذي نعيشه، فنحن أمة تملك أفضل منهج - على مستوى الأصول والأسس والمنطلقات الكبرى على الأقل- لإصلاح العالم، لكننا نعيش في أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية عليلة ومتخلفة عن المنهج الذي نؤمن به، وعن متوسط السائد من كثير من أوضاع عصرنا، ونحتاج إلى الكثير من الفكر والعمل والجهد حتى نتجاوز هذه الأوضاع.
المسلم اليوم يشعر أولاً أنه يعيش على هامش الحضارة، حيث إننا دخلناها من باب الاستهلاك والتمتع ليس أكثر، وينقضي عصر صناعي بعد عصر دون أن نلج أياً منها، ومعظم الدول الإسلامية مازال ما لديها من إمكانات صناعية وتقنية أقل مما كان متوفراً لدى أوروبا في القرن التاسع عشر. ويشعر من وجه آخر أنه غير قادر على حماية أرضه وحقوقه، وغير قادر على تفادي الصفعة التي يوجهها الآخرون إليه ولا على ردها، بل يشعر أحياناً أنه غير قادر على الشكوى من الألم الذي يشعر به، أو غير قادر على جعل تلك الشكوى مسموعة لتكون ذات معنى!!
وهكذا؛ فالإحساس المتضخم بالأمجاد الغابرة جعل إحساسنا بالإهانة التي نتلقاها - وهي أشكال وألوان- شديداً أو متفجراً، لكنه مبهم وغامض حيث لا تعرف الأكثرية الصامتة من هذه الأمة أي تحديدات لأسباب ما نحن فيه على نحو منطقي، فضلاً عن أن تعرف سبل الخلاص منه.
وأود هنا أن أبدي الملحوظتين التاليتين:
1-شيء أساسي أن نشعر بالإهانة والدونية؛ لأننا إذا فقدنا هذا الإحساس فإن ذلك يعني خللاً بنيوياً في رؤيتنا لأنفسنا وللواقع وللعالم من حولنا. وبعض المسلمين حصل على مواقع اجتماعية أو اقتصادية جيدة، فهو مغتبط بالتمتع بثمرات الحضارة وعقد الصفقات وحصد المزيد من المنافع. وينظر إلى الذين يشكون من سوء الأحوال نظرة استغراب، فالأمور تمضي على أحسن ما يرام، وأن يكون بينك وبين الغرب سبب أو تواصل ما، فهذا يعني انفتاح أبواب إضافية للنعيم والنجاح. هذه الفئة من المسلمين ضعُف لديها الإحساس الجماعي إلى حد التلاشي، وهي تشعر في أعماقها بالدونية، لكنها تجد دائماً ما يوجه وعيها نحو همومها ومكاسبها الشخصية. وهذه الفئة في ظل موجات اللهو والمتعة والأنانية التي تبعث بها العولمة - مرشحة للاتساع - ولا ندري كيف سيكون الحال بعد عشر سنوات من الآن ؟!
2-من المهم أن نتخذ من كرامتنا الجريحة محفزاً على المقاومة واكتساب المنعة والارتقاء والفكاك من أسر التخلف لا أن نجعل منها منهجاً للعمل. وهذه القضية لا تخلون شيء من الدقة، وتحتاج إلى شيء من التوضيح.