حين يشتعل إحساسنا بالهوان، ونستجيب في توجهاتنا واستخدام الإمكانات التي لدينا لتلك الأحاسيس والمشاعر على نحو بدائي ومتسرع ووفق رؤية جزئية ومبتسرة -؛ فإننا نكون آنذاك غير مؤهلين لمداواة الكرامة المجروحة، ولا استرجاع الحقوق المسلوبة؛ بل إن الاستجابة على هذا النحو ستجعل جروحنا تزداد تقرحاً، وتجعل حقوقنا أكثر تعرضاً للاغتصاب والنهب. ولنا فيما جرى خلال العامين الماضيين من المضايقة والتحجيم للدعوة الإسلامية والمحاربة للمؤسسات الخيرية والمطاردة للدعاة... عبرة إن كنا قادرين على الاعتبار!
وأي شيء أسوأ من أن يصبح ذكر الإسلام والمسلمين شيئاً يثير مشاعر الخوف والاشمئزاز لدى كثيرين من أبناء أمريكا وأوروبا وغيرهما؟!
إن أمريكا أحسَّت بجرج عميق في كبريائها حين تعرضت رموزها الاقتصادية والعسكرية للهجوم، وردت على ذلك الجرح الغائر في كرامتها باتخاذه منهجاً للرد، فقابلت الصفعة بصفعات في أماكن عدة من العالم، وما زالت مستمرة في ذلك إلى هذه اللحظة، فماذا جرى؟
إنها تنتقم من بعض خصومها على نحو ساحق، لكنها لن تستطيع أن تحول دون تكرار ذلك الهجوم عليها مرة أخرى؛ لأنها لم تستطع التوقف لقراءة الأسباب الجوهرية التي أدت إلى الهجوم عليها. إنها تربح معركة هنا ومعركة هناك إلا أنها تخسر جاذبيتها الحضارية من خلال عدوانها على النموذج الذي كانت تقدمه للعالم، وتخسر مع كل ذلك الانسجام الداخلي مع القيم التي تروج لها.وهذا ما علينا أن نستفيد منه على نحو جيد.
أما إذا اتخذنا من جرح الكرامة وكؤوس الإهانة حافزاً على الخلاص؛ فإن سلوكنا آنذاك سيكون مختلفاً. وأتصور أننا آنذاك سنفكر ونتصرف على النحو الآتي:
-إن حالة ارتباك الوعي التي نعاني منها ليست جديدة، ولم تتكون في مرحلة واحدة، وجرحنا الغائر لم يحدث بسبب ما فعله ويفعله بنا الغرب، وإنما بدأ الأمر قبل ذلك بقرون عدة. وحين انفرط عقد الدولة العباسية لم يكن ذلك بسبب غرب أو شرق، وإنما بسبب الانحراف عن المنهج الرباني الأقوم الذي أكرمنا الله به، وبسبب عدم القدرة على التجدد وحل المشكلات المتأسنة .
ولهذا فإن ما نلقاه اليوم من ازدراء لا يعود إلى أحوال هذا الجيل، وإنما بسبب الوضعية العامة للأمة، وهي وضعية صنعتها أخطاء وخطايا القرون.
-كما أن على أمريكا أن تسأل بصدق واهتمام: لماذا يكرهها الآخرون؟ ولماذا يكون هناك شباب في عمر الورود مستعدين للموت من أجل إلحاق الأذى بها؟. فإن علينا أيضاً أن نسأل: لماذا يجري كل هذا لنا؟ ولماذا نحن عاجزون عن الدفاع عن أنفسنا؟ ولماذا لا نساهم في توجيه الحضارة الحالية، ولا نؤثر في موازين القوى فيها؟.
إذا نحن تصرفنا ضد أعدئنا وضد أولئك الذين يوقعون الظلم علينا بعين الأسلوب الذي يستخدمونه معنا، فما الميزة التي تجعلنا أكثر أهلية لوضع أسس لحضارة جديدة ومختلفة عن الحضارة السائدة؟
إننا في حاجة إلى أن نعمل على المدى الطويل حتى نكون في وضعية لا يفكر معها أحد في إهانتنا والعدوان علينا؛ لأن ذلك سيكون بالنسبة إليه مكلفاً جداً. والأرقى من ذلك أن يحترمنا الآخرون للقيم والمنجزات التي لدينا، فينشغلون بكيفية الاقتباس والتعلم منا، بدل الانشغال بإيذائنا وظلمنا. والأرقى من هذا وذاك أن نفكر وندعو ونعمل على تحويل أعدائنا إلى أولياء يدخلون في ديننا، وينشرن مبادئنا وقيمنا. وهذا ما قام به المسلمون الأوائل حين انتهوا من مشكلة الآخر الوثني في جنوب شرق آسيا عن طريق نشر الإسلام وجذب الناس إليه. وإن الغرب على المستوى الشعبي - ينتظر منا هذا الأداء، وهو في أمس الحاجة إليه.
وأنا هنا لا أرمي إلى تمييع الأمور، ولا إلى إخماد روح المقاومة؛ لكنني أريد لأعمالنا وجهودنا أن تكون في السياق المنتج، وأن تعبر قبل ذلك عن رؤيتنا الكونية للعالم، وليس عن انفعالاتنا ومشاعرنا.
-الصراع بيننا وبين أولئك الذين يجرحون كرامتنا ليس صراعاً عسكرياً، ولا يمكن للقوة اليوم أن تحسم أية قضية على نحو نهائي .
وإن أي نصر عسكري سيكون مؤقتاً ومجوّفاً إذا لم يرتكز على تفوق حضاري. وإن شروط الاحترام ونوعية الرد المطلوب على الإهانة - لا تستمد من أدبيات حقبة تاريخية ماضية، ولا يضعها الناس بحسب أهوائهم وأمزجتهم، ولا بحسب معتقداتهم ومبادئهم، وإنما يصوغ ذلك ويحدده أولئك الذين يضعون بصماتهم على الحضارة الراهنة، مهما كانت هذه الحضارة ضالة أو ناقصة أو خاوية وهذه نقطة جوهرية.