فهرس الكتاب

الصفحة 9455 من 27364

عبد الرحمان الهرتازي

أصبح لظاهرة التنصير بالمغرب بروز إعلامي خاص في الأسابيع القليلة الماضية، إذ تسلمت الملف - على غير العادة - صحافة ما يسمى بالإعلام"المستقل"، بعدما صامت عنه مؤجلاً الصحافة الإسلامية.

جاء ذلك بعد أن أثير الموضوع تحت قبة البرلمان المغربي، وتم الحديث في الصحافة الوطنية (المستقلة) عن قدوم منتظر لأكثر من 90 منصراً أمريكياً إلى المغرب، وهو المعطى الذي يأتي في سياق الحديث عن المد التصاعدي الذي عرفه التنصير بالمغرب كواحدة من نتائج تفجيرات الدار البيضاء في السادس عشر من مايو 2003.

والواضح أن الظاهرة التي كانت المادة الخام لصحف التيار الإسلامي قبل هجمات 16 مايو ضد العاصمة الاقتصادية للمغرب الدار البيضاء، يتم تناولها في الصحافة"المستقلة"بشكل يشي بكونها (أي الظاهرة) ماضية في التوسع، رغم أن تناول الصحافة"المستقلة"لإشكالية التنصير في المغرب ضمن البحث عن مواضيع الإثارة، وما تسميه بـ"المسكوت عنه"، على عكس صحافة الحركة الإسلامية التي تتناول الموضوع إعلامياً من باب الالتزام والمسؤولية في كشف خطره على الوحدة العقدية للمغاربة.

لم تكن تفجيرات 16 مايو 2003 الآثمة ضد المغرب والمغاربة في عاصمتهم الاقتصادية مجرد حادث غير عادي انتهى بحصيلته البشرية الثقيلة؛ ولكنها كانت طبقاً لرأي المراقبين منعطفاً تاريخياً خاصاً كانت له تداعياته المستقبلية على المدى القريب والبعيد على المجتمع المغربي، وعلى العمل الإسلامي والدعوي الذي انشغلت به جل الجماعات الدعوية البارزة صاحبة الخط المعتدل والسلمي، مثل حركة التوحيد والإصلاح، وجماعة العدل والإحسان، ثم جماعة"الدعوة والتبليغ"المغربية المتمركزة في الدار البيضاء نفسها، هذه الأخيرة وإن اتسمت في منهجها وآلياتها الدعوية بنوع من السطحية، إلا أن عملها مثمر على مستوى معين في معظم التراب الوطني المغربي.

كانت تفجيرات الدار البيضاء المؤلمة ذريعة لحملة داخلية وخارجية واسعة النطاق قادها رموز اليسار المغربي القديم، إضافة إلى ما بات يعرف في المغرب باسم"جبهة الحداثيين الجدد"، من خلال صحافة حزبية، وبعض منابر الصحافة"المستقلة"ضد كل ما هو إسلامي بزعم محاربة الإرهاب، ومن هو مسؤول عنه"مسؤولية معنوية"، وكان في مرمى مدافع تلك الحملة الإعلامية الشرسة حزب العدالة والتنمية، وحركة"التوحيد والإصلاح"الداعم والمنخرط أعضاؤها في الحزب.

وجرت الحملة في اتجاه تكميم أفواه العاملين لصالح العمل الدعوي (والخيري على شحه وضآلته) ضمن العمل السياسي - وحتى في الحياة العامة - بممارسة الرقابة والتجسس على جمعيات التخييم، والجمعيات التربوية والخيرية، وعلى الخطباء، واتهامهم بـ"احتكار الدين والأخلاق"، في مقابل ذلك تولت منابر أخرى (صحيفتا"الأحداث المغربية"و"النهار المغربية") كبر الدعوة إلى حرية الجسد بدعوى الثقافة الجنسية، بل إن الأمر اتخد بعداً أكبر، فقد شهدت الساحة الإعلامية فصول معركة ساخنة قادها اليسار والحداثيون على خطباء الجمعة بسبب استنكار الخطباء لاستفحال ظاهرة العري التي ترتفع حدتها في فصل الصيف.

وفي محاولة هدفها تكميم أفواه الدعاة - في وقت لا نعلم بلغة الأرقام والحقائق الكاشفة كيف تصول وتجول جماعات التنصير في المملكة - وصفت المنابر اليسارية الخطباء بـ"الظلامية، والرجعية، والتطرف"، ففي الصفحة الأولى ليومية"الأحداث المغربية"القريبة من حزب الاتحاد الاشتراكي اعتبرت الصحيفة ما جاء في الخطب المذكورة"آراء متطرفة"، لا لشيء إلا لأنها دعوة للمجتمع - ومنها المرأة - بالستر والتمسك بهويتها، وفي تحد كبير ومستفز لشخصيات الدولة نشرت أسبوعية"البيضاوي"على صفحتها الأولى صورة تم تركيبها تظهر وزير الأوقاف أحمد التوفيق وبجانبه مغنية شبه عارية تتكئ على كتفه، وفوق الصورة عنوان بارز ومستفز للحركة الإسلامية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية"الحرب المقدسة ضد الميني بوط".

واللافت للنظر أنه خلال الجدل الذي دار بين إعلام الحركة الإسلامية المعتدلة وإعلام اليسار و"الحداثيين الجدد"حول مقاربة أسباب العنف الذي كان من نتاجه أن ضرب المغرب عبر مدينة الدار البيضاء، فسر الإسلاميون الظاهرة على أنها وليدة عوامل موضوعية جذرية تتمثل في الفقر والبؤس، والتهميش، وغياب العدل، وتغيب دور العلماء والدعاة والحركات الإسلامية الوطنية الفاعلة في التوعية وتعميق الحس الوطني والديني بما يحصن الشباب المغربي ضد آفة التطرف، أو الوقوع فريسة للدعوات الضالة ومنها التنصير، هذا في الوقت الذي تتناول فيه الصحافة"المستقلة"الحديث عن التنصير بالمغرب.

اليوم يكاد المشهد الدعوي في المغرب ينعكس، جاء في واحدة من أسبوعيات الصحافة"المستقلة"أسبوعية"الأخبار"وهي تقدم في تناولها لظاهرة التنصير مشهداً مختلفاً في المحطة البرية بالعاصمة الإدارية الرباط:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت