فهرس الكتاب

الصفحة 9456 من 27364

طفل رث الثياب، فقير الحال، كما هو شأن الكثيرين من أقرانه، يبيع المناديل الورقية، يمشي بين السيارات والحافلات، يقفز بين هذه وتلك لعله يقنع الركاب والسائقين بطلب بضاعته دون جدوى، وتتوقف في اللحظة سيارة فارهة من ذوات الدفع الرباعي، يتكلم ركابها بوجه بشوش إلى الطفل، ويقنعونه بالركوب لاصطحابهم لعلهم يستطيعون تغيير شيء من حاله وهندامه وحتى وضعه.

هكذا والمتأمل لهذا المشهد"التبشيري"الذي يصور واحدة من آليات التنصير بالمغرب، لا شك وأنه يتذكر كيف انسحب المواطن المغربي المؤطر في ساحة العمل الدعوي في المحطات البرية، والحافلات، وعلى طريق السفر، وفي البوادي والحواضر، وهو الدور الذي كان يتوزعه رجال جماعة"الدعوة والتبليغ"المغربية وباقي الجماعات، إلى وقت قريب قبل تفجيرات الدار البيضاء كانت المحطات البرية، وحافلات المسافات الطويلة الرابطة بين الحواضر والبوادي تشهد نشاطاً دعوياً مثمراً يحركه متطوعوا"التبلغ والدعوة"، والفضل لهؤلاء يشهد لهم به العديد من المراقبين في إنقاذ الكثيرين من الانحراف والإحباط، وتنظيف عدد من بؤر الإجرام في مدن المغرب، وخاصة في العاصمة الاقتصادية ذاتها.

إذن نحن أمام صورة مختلفة انقلبت فيها الحقائق المتعلقة بواقع الدعوة من جهة والتنصير من جهة أخرى، إذ انحسر دور المواطن في ملء الفراغ الروحي المتأتي من الهجمة الثقافية الغربية، وحملات الانحلال؛ لحساب المد التنصيري، ولا نقول إن هذا التحول هو لغير حساب المد الإسلامي الدعوي بالكامل، بل يبقى عاملاً مستفزاً للحركة الإسلامية ومعها الدولة إن كان الطرفان يدركان الخطر.

من جهة أخرى فإنه من المعروف أن البعد السياسي يشكل واحداً من أهداف ووسائل خطط التنصير في العالم، والعبرة في تجارب عدد من الدول الإسلامية أو ذات الغالبية المسلمة، والمثال ليس عنا ببعيد، فقد اقتطعت"تيمور الشرقية"من إندونيسيا المسلمة بعدما أتى التنصير فيها على الأخضر واليابس، أضف إلى ذلك السودان المسلم وما دبر له في الجنوب، ويدبر له في الغرب، وحتى في الشرق، الجنوب نصر جله منذ عقود، والآن يحضر له الانفصال بعد 6 سنوات من فترة الحكم الذاتي، والأزمة الإنسانية في دارفور في الغرب تحولت إلى أزمة سياسية، ويجري تصويرها كنزاع لعرق عربي مسلم ضد عرق إفريقي مسلم!! يحدث هذا بموازاة حضور تنصيري حثيث، فهل ما يراد للمغرب عبر بوابة التنصير يكون على هذا المنوال؟

لا نستغرب هذا السؤال مادام هناك من يتحدث (في الصحافة"المستقلة": أسبوعية"النهار") عن حزب سياسي نصراني، مادام هناك حزب سياسي ديني إسلامي في البلاد!!

ولا نستغرب إذا وجدنا من يدافع (في الصحافة"المستقلة": أسبوعية الأخبار) عن حق المنصرين في حرية الحركة، مادام الإسلاميون يمارسون الدعوة، ويبنون المساجد!! ولا نستغرب أيضاً ممن أصبح يتحدث أيضاً عن"الشيعة المغاربة"رغم أن المغاربة عاشوا على مذهب"مالك"منذ أن عرفوا الإسلام!!. وفي الوقت نفسه لا نستغرب من الحملة الإعلامية الشعواء لإسكات العلماء إذا ما قرروا الابتعاد عن السياسة (إثر حملة سابقة) ، ولكن مع الالتزام بواجب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، ولا نستغرب كذلك إذا ما وجدنا أيضاً بعض تلك الصحف تفتح صفحاتها لثقافة العري والدعارة والشذوذ الجنسي باسم حرية التعبير، بموازاة فتح مدافع الكذب والبهتان والاتهامات النكراء على كل ما هو إسلامي، في مقابل ذلك كله تفتح المقابلات والحوارات مع"المسيحيين المغاربة"، ويتحدث معهم ولهم عن حزب سياسي، وعن نفوذ سياسي بالمغرب بحثاً عن التحكم في دواليب القرار السياسي.

والمضحك أن أسبوعية"النهار" (قبل أن تتحول إلى يومية متخصصة في الحديث عن"المسكوت عنه") تناولت ملف التنصير قبل أحداث 16 مايو الأليمة، وأقحمت بشكل غريب جداً حزب"العدالة والتنمية"الإسلامي المدعوم من"حركة التوحيد والإصلاح"وهي تتحدث عن آليات التنصير قالت بالحرف:"يعتمد المسيحيون نفس الميكانيزم الذي يعتمده الإسلاميون، إذ إنهم يتوجهون بقوة المال، والخطاب اللغوي الديماغوجي إلى الطبقات المسحوقة بالأحياء الشعبية، و"أحزمة العار"و"الكاريانات" (أي دور الصفيح) ، مع فارق بسيط أن الدستور ضمن لإسلاميي العدالة والتنمية حرية التعبير.."، ثم تقول الصحيفة ذاتها قبل ذلك:"وإذا كان حزب العدالة والتنمية تغلغل في عمق المجتمع المغربي، وكسب طبقات وشرائح مجتمعية واسعة، وفي بعض الأحياء الراقية؛ بسلوك أساليب الوعظ والإرشاد والعمل الإنساني من خلال المساعدات المادية والغذائية، وتشييد الجوامع والمساجد، وتمويل الخيريات فالمسيحيون المغاربة (كذا) راهنوا على مستجدات العولمة، وأنظمة السوق، وعزفوا على الوتر الحساس للشباب المغربي بتهجيرهم إلى دول أوروبا..."، هكذا يتحدث عن إسلاميي المغرب و"مسيحيي المغرب"، وكأن الإسلاميين قوم جاؤوا لتوهم من كوكب آخر، وبدين جديد غريب عن المغاربة، ثم يتحدث في مقابل ذلك عن"المسيحيين المغاربة"كند ديني سياسي قائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت