* عبدالإله بلقزيز
ليس صحيحاً أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حقبة ـ ومن ظاهرة ـ الثقافات الوطنية والقومية إلى ثقافة عليا جديدة هي الثقافة العالمية أو الثقافة الكونية، على نحو ما يدعي مسوقو فكرة العولمة الثقافية، بل إنها ـ بالتعريف ـ فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات. إنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف ـ المسلح بالتقانة ـ فيُهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة. وإذا كان يحلو لكثيرين أن يتحذلقوا بإفراط في الرد على هذا الفهم للعولمة الثقافية، فيرجمونه بتهمة الانغلاق الثقافي أمام تيارات العصر، والدعوة إلى الانكفاء والتشرنق على الذات (والهوية، والأصالة، ومشتقاتهما...) ، وإذا كان يحلو لهم أن يعيدوا على أسماعنا مواويل الانفتاح الثقافي غير المشروط على (( الآخر ) )للانتهال من موارده ومكتسباته وكشوفه المعرفية... الخ، فإنه يطيب لنا أن نلفت انتباههم إلى وجوب وعي الفارق بين التثاقف والعنف الثقافي من جانب واحد.
يعني الأول الإصغاء المتبادل من سائر الثقافات بعضها إلى بعضها الآخر، كما يعني الاعتراف المتبادل بينها، ومنه الاعتراف بحق الاختلاف وهو من أقدس حقوق الانسان، فيما لا ينطوي الثاني سوى على الإنكار والإقصاء لثقافة الغير، وعلى الاستعلاء والمركزية الذاتية في رؤية ثقافته. يرادف الأول معنى الحوار والتفاهم، بينما يتلازم معنى الثاني مع الإكراه والعدوان. أما الأهم في الأمر، فهو أن التثاقف يجري بين الثقافات على قاعدة الندية، وهو ما يمتنع دون اعتبار أية ثقافة لشخصيتها وحرمتها الرمزية، فيما لا يعبر فعل الاختراق والتجاوب معه سوى عن دونية يأباها أي انفتاح وأي حوار! هذا درس بدائي من دروس الأنثروبولوجيا الثقافية المعاصرة حري بدعاة الانفتاح أن يقرأوه قبل أن يفتتحوا طقوس التبشير.
أي اختراق ثقافي هذا الذي نعنيه، أو ماذا يمكنها أن تكون تلك العولمة الثقافية إن لم تكن صناعة لثقافة عالمية جديدة؟
ليست العولمة تلك ـ في مفهومنا ـ سوى السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات، بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والتقانة في ميدان الاتصال. وهي التتويج التاريخي لتجربة مديدة من السيطرة بدأت منذ انطلاق عمليات الغزو الاستعماري منذ قرون، وحققت نجاحات كبيرة في إلحاق التصفية والمسخ بثقافات جنوبية عديدة، وبخاصة في أفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية. ولعل هذا يؤكد ما افترضناه ـ في مستهل هذه الورقة ـ من أن العولمة لا تؤرخ لنهاية عصر الدولة القومية، بل تعلن عن ميلاد حقبة جديدة من تمددها المستمر. وليس ما يدعى بالعولمة الثقافية، اليوم، إلا مظهراً من مظاهر ذلك التمدد خارج الحدود، الذي هو آلية طبيعية في نظام اشتغال الدولة القومية الحديثة.
على أن هذه السيطرة الثقافية الغربية العامة تنطوي ـ في داخلها ـ على علاقة أخرى من السيطرة تجعل ثقافات غربية عديدة في موقع تبعي لثقافة أقوى تتمدد أحكامها على امتداد سائر العالم. أما هذه السيطرة التي نعني، فهي التي يمكننا التعبير عنها بعبارة الأمركة (Ame r icanisation) ، والعولمة ـ في ما نزعم ـ هي الاسم الحركي لها. ليست الأمركة أسطورة جديدة من أساطيرنا السياسية، ولا هي شماعة نعلق عليها إخفاقاتنا وعجزنا، بل هي حقيقة مادية تعيشها أوروبا نفسها، وتحتج عليها، وتنظم مقاومتها ضدها، وتعتبرها خطراً استراتيجياً يهدد استقلالها الاقتصادي والسياسي وهويتها الثقافية. وقد تكون مقاومة فرنسا لها ـ بمناسبة مفاوضات (الغات) ـ ودفاعها عما بات يعرف باسم الاستثناء الثقافي، أسطع دليل على وجودها وعلى مخاطرها، وهي ـ للتذكير ـ مقاومة حقيقية وشرسة وليست مسرحية سياسية للضحك على ذقون أهل العالم الثالث.
ما الذي في وسع مجتمعات وثقافات أخرى ـ خارج أوروبا ـ أن تفعله في مواجهة هذه العولمة/ الأمركة بإمكانياتها الشحيحة؟
ليست هناك معجزات في الأفق، ولكن، من المفيد القول إن فعل العدوان الثقافي ـ أي عدوان ثقافي ـ لا يحتل المشهد وحده، بل هو غالباً ما يستنهض نقيضه، بسبب ما ينطوي عليه عنفه الرمزي من استفزاز لشخصية المعتدى عليه، ومن تشبث بثقافته وهويته. ماذا يمكننا أن نسمي ـ مثلاً ـ حالة الانكفاء الثقافي للمغلوب إلى منظوماته المرجعية التقليدية؟ إنها تراجع معرفي ما في ذلك شك، غير أنها ـ في منظور علم اجتماع الثقافة ـ شكل من الممانعة الثقافية ضد الاستسلام، ومحاولة للبحث عن نقطة توازن في مواجهة عصف التيار الثقافي الجارف. إنها محاولة للاحتماء من عملية اقتلاع كاسحة. وهي وإن كانت دفاعاً سلبياً عن الثقافة والأنا الجمعي، إلا أنها تظل ـ في النهاية ـ مظهراً من ماهر المقاومة الثقافية المشروعة، وإن كان من الواجب القول إن معركتها مع العولمة خاسرة في آخر المطاف إن لم تتحول إلى مقاومة إيجابية تتسلح بالأدوات عينها التي تحققت بها الجراحة الثقافية للعولمة.