فهرس الكتاب

الصفحة 24486 من 27364

مجلة البيان - (ج 125 / ص 132)

بقلم: د.محمد يحيى

اتسع نطاق الجدل في الآونة الأخيرة حول المقولة التي عرفت باسم: (صراع الحضارات) والتي ولدت من خلال دراسة لأستاذ جامعي أمريكي هو (صمويل هنتنجتون) سعى فيها من وجهة نظره إلى تحليل الوضع العالمي تحليلاً استراتيجياً مستقبلياً على ضوء التغيرات في السنوات الماضية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية أو الشيوعية، وهي نفس المتغيرات التي ألهمت زميل له هو (فرانيس فوكرياما) بتكوين مقولة حول (نهاية التاريخ) كان لها هي الأخرى نصيب في إثارة الجدل والنقاش. وقد انطلق (هنتنجتون) من واقع زوال القطب الشيوعي في الحضارة الغربية إلى طرح افتراضات حول المسار الذي سوف تأخذه السياسة الدولية مع الدخول في القرن الميلادي الواحد والعشرين، وانتهى إلى أن الحضارة الغربية (التي رأى أنها تشمل الشعوب البيضاء أو ذات الأصل القوقازي، والمسيحية الديانة، والأوروبية الفكر والثقافة) سوف تواجه بخصم عنيد محتمل في المستقبل القريب يطرح تحديه على خلفية حضارية ثقافية تتحرك أمامها التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والعسكرية وهذا الخصم هو بالمقام الأول الحضارة الإسلامية ثم الحضارة الآسيوية الشرقية أو الكتلة البوذية.

وذهب (هنتنجتون) أو مفسروه إلى أن التنافس والصراع سوف يكون طابع العلاقة بين الحضارات المذكورة ليس فقط حول النفوذ السياسي والاقتصادي بل أيضاً حول ـ وبسبب ـ الثقافة والقيم الحضارية والاجتماعية والعقائد الدينية والمذاهب الفكرية.

وقد أثارت هذه المقولة فور ذيوعها ردود فعل عديدة كان أغلبها على الجانب الصحفي السطحي المتسم بالعصبية. وكان أول وأبرز ردود الفعل هذه، وهو ما سبق لكاتب هذه السطور أن تعرض له، أن صدرت بيانات وتصريحات ودفاع من جانب رموز إسلامية رسمية في بلدان معينة تنفي أن يكون الإسلام يسعى للمواجهة والصراع، وتؤكد أنه يريد التعاون والمشاركة مع الغرب، وراحت هذه الأصوات تعيد تكرار المقولات المألوفة التي نسمعها كلما اتهم الغرب الإسلام بالتعصب أو التطرف أو الإرهاب من أن الإسلام دين تسامح ومحبة واحترام واعتراف بالآخرين. ورأى كاتب هذا المقال أن رد الفعل هذا كان المقصود بدايةً عن الترويج الإعلامي الغربي لمقولة (هنتنجتون) . حيث بدا أن الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة بالذات أرادت أن تخرج من الدول الإسلامية ولا سيما الواقعة تحت نفوذها بتطمينات حول نوايا المؤسسات والتوجهات الإسلامية نحو الغرب بعد أن كثر الحديث حول ما يوصف بخطر التوسع الأصولي الإسلامي. أي أن الهدف من الترويج الدعائي للمقولة على نطاق شعبي كان حثّاً على رد فعل دفاعي اعتذاري من الجانب الإسلامي ينكر فيه هذا الجانب أية نوايا عدوانية ضد الغرب، ثم يلتزم علناً وأمام العالم بالموقف الفكري والعملي الذي يريده الغرب من المسلمين ألا وهو موقف الانضمام إلى توجهات الغرب وعلمنة الفكر والعقيدة الإسلامية وتغريبها إلى الحد الذي تصبح فيه مماثلة لما عند الغرب من عقائد، كما تصبح فيه مألوفة مأمونة الجانب لدى الجمهور الغربي. إذن كان الترويج الواسع لمقولة صراع الحضارات على المستوى الإعلامي مدبراً ليقوم الجانب الإسلامي برد فعل يخدم الغرب.

لكن هذا الرأي ـ على وجاهته ـ لم يمس المقولة نفسها قدر ما لمس أحد الجوانب السياقية في ترويجها الإعلامي. ومقولة (هنتنجتون) تحفل بالجوانب التي تثير الفكر، ولعل أول هذه الجوانب هو سبب اختراع أو تصور خصم مستقبلي للحضارة الغربية بعد زوال الخصم السوفييتي ولكن مع الفارق؛ لأن الخصم الشيوعي كان خصماً من داخل الحضارة ذاتها؛ بينما الخصوم المطروحون هم من خارج تلك الحضارة؛ إلا إذا فسرنا الحضارة الصينية واليابانية على أنها متأثرة فكرياً وثقافياً بالغرب سواء في شيوعية الصين، أو في انغماس اليابان في التكنولوجيا المادية ذات الأصول الغربية. إن هذه الرغبة في خلق أو تصور الخصوم قد تبدو غير مفهومة إلا إذا تصوّرنا وجود نية عدوانية دفينة لدى دوائر أمريكية سياسية وفكرية تريد التعبير عنها من خلال اختلاق الأعداء لإعلان الحرب عليهم والتنفيس عن هذه الرغبات العدائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت