أمريكا: أنا ربكم الأعلى!
هذا هو منطق الطغاة والفراعنة، في جميع العصور، منطق هؤلاء الطغاة الفراعنة، مبني على القوة المادية التي يملكونها، ولا يملكها غيرهم، مبني على الكبرياء والجبروت، منطقهم مبني على ظنهم أنهم مستقلون بالأمر من دون الله، فلهم أن يأمروا الناس وينهوهم، ويكرهوهم على الطاعة المطلقة لهم، لأنهم أرباب ومن عداهم عبيد.
هؤلاء الطغاة الفراعنة، يبتليهم الله بالمال والبساتين والأنهار والعيون، والسيطرة على البحار، ويبتليهم بكثرة الجنود، والمتخصصين في كل ما يحتاجون إليه: من أرباب اقتصاد، ورجال إعلام، ومهندسي إعمار، وزبانية تعذيب، وسيافي قتل، و مُدَرَّبي تنكيل بالمظلومين، بقسوة لا توجد في صم الصخور.
إنهم لا يخفون كبرياءهم، ولا يخجلون من الإعلان عن سحق المستضعفين وتدميرهم.
وقد أبدى القرآن الكريم وأعاد في وصف أنموذج للفراعنة والطغاة، وهو (فرعون مصر) الجبار، وجنده ووزراؤه.
فقد ادعى الألوهية والربوبية، وأنكر أن يكون لقومه إله سواه، كما قال الإله الحق تعالى عنه:)فكذب وعصى. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى( [النازعات: 21-24]
وقال عنه: )يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري( [القصص: 38]
وقال تعالى عن تبجح عاد قو م هود عليه السلام: )فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون( [فصلت: 15]
ولا يشترط في هذه الدعوى-أي ادعاء الربوبية والألوهية- أن يصرح الطاغية بـ (القال) فالحال -أحيانا-أقوى من (القال)
ولعل حال أمريكا الذي تمارسه مع العالم يوضح هذا المعنى أوضح بيان في هذا العصر.
أليس حال أمريكا وتصرفها- سياسيا، واقتصاديا، وإعلاميا، وعسكريا، في كل أقطار الأرض، برا وبحرا وجوا، ومحاولة إكراهها العالم على السمع والطاعة لها- أليس ذلك يدل على أنها وضعت نفسها موضع الإله الذي لاحق لغيره أن يأمر وينهى كل الناس بما يريد ولا حق لغيره من المخلوقين في ذلك؟
لا، بل إن الله ليأمر الناس بالإيمان به، وينهاهم عن الشرك به، ولا يأذن لأحد أن يكره أحدا على الإيمان به: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي( ولكن أمريكا تكره الدول في العالم على اتباع سياستها، ولم خرج عن ذلك، سلطت عليه المقاطعة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فإذا لم تنجح في إخضاع الدولة بذلك، جيشت جيوشها لغزوها، وأنزلت بها أشد العذاب، ودمرت كل مرافقها.
أليست تقف وحدها مؤيدة لظلم الضعفاء فيما يسمى بـ (مجلس الأمن) ؟
أليست تعمل ما تشاء، ولو وقفت دول العالم ضد عملها؟
ومن عادة الطغاة أن يتخذوا كل سبب يؤدي إلى تنازع الناس، ليتمكنوا من السيطرة عليهم، ويستفردوا بظلم من يريدون الاعتداء عليه، فلا يجد من ينصره، كما قال تعالى عن فرعون نفسه: ) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين( [القصص: 4]
وهاهي أمريكا اليوم (فرعون العصر) تفرق بين الشعوب وحكامها، وبين الأحزاب في كل بلد، وتفرق بين الدول المتجاورة والمتباعدة، من أجل أن تهيمن عليها جميعا، وتستضعف من تشاء منها، تحقيقا لهيمنتها وتثبيتا لظلمها.
وهاهي تجند أحزابا في الدول ضد أحزاب، وأحزابا ضد دول، ودولا ضد أحزاب، ولا هدف لها في ذلك كله إلا إيجاد الصراع الذي تضعف به خصومها، دولا كانت أم أحزابا.
ويكفي أن أذكر مثالا واحدا من أمثلة كثيرة تدل على تناقض أمريكا واتباع هواها في تصرفاتها: إنها تزعم أنها تحمي الأكراد في شمال العراق من عدوان النظام العراقي، ولكنها تتفرج على الجيوش التركية التي تدخل الأراضي العراقية لضرب خصومها من الأكراد، فتقتل وتعتقل وتدمر ما تشاء، دون أن تنكر ذلك ولو بالكلمة؟
ومن عادة الفراعنة الطغاة أن يقربوا منهم كبار القوم وأعيانهم، من ذوي المال والقوة، والاختصاصات التي تقوي ملكهم، ليسحقوا بهم الأعداء:
كالوزراء المنفذين: )فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين( [القصص: 38]
والجنود المطيعين: ) إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين( [القصص: 8]
والأغنياء المترفين الذين يغتر بهم الجاهلين: )إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ( [القصص: 76] ) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين( [العنكبوت: 39]
ومن عادة الفراعنة الطغاة، عندما يزهق الحق باطلهم، وتدحض الحجة أكاذيبهم: أن يحشدوا جماهير الناس، للاستعانة بمن يضلل عقولهم، ويقلب الحقائق عليهم، حتى يعينوهم على باطلهم ضد خصومهم.