صفاء الضوي العدوي
الباب الثاني: أسباب العلمانية:
وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الطغيان الكنسي: أسبابه. أنواعه (الطغيان الديني الطغيان السياسي الطغيان المالي) .
الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم:
الفصل الثالث: الثورة الفرنسية: (الفكر اللاديني - وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير - القوى الشيطانية الخفية) .
الفصل الرابع: نظرية التطور: (آثار الداروينية - انهيار العقيدة الدينية - نفي فكرة الغاية والقصد - حيوانية الإنسان وماديته - فكرة التطور المطلق) .
بدأ المؤلف في فصل الطغيان الكنسي إلى التعريف بداء الطغيان وبيان أنه مرض يدمر النفس الإنسانية حين تصاب به، وأن من خصائصه أنه لا يصيب إلا ذا نفس هزيلة أتيح لها وسائل تفوق طاقتها، ولم يكن لديها ما تتحصن به من خلق أو إيمان يكبح جماحها.
وأشار إلى أن ظهور هذا المرض على الحكام الوثنين أو الطغاة من زعماء الدنيا فإنه يكون معقولاً إلى حد ما، أما حين يصدر هذا السلوك الشائن ممن يراهم الناس قديسين ورسل سلام فهذا مما يشق على النفس تحمله، ويصعب على العقل تقبله، فهم الرجال الذين طالما سمعوا منهم عبارات التسامح والمحبة في مواعظهم الدينية.
ويبحث المؤلف في أسباب ذلك الطغيان الذي كانت الكنيسة تمارسه، فأشار إلى الاضطهاد الذي أوقعه الوثنيون من الرومان على أتباع المسيح - عليه السلام - والذي ألجأ هؤلاء الأتباع إلى التخفي بالدعوة، وإخفاء ما بأيديهم من نسخ الأناجيل، التي كانت تتعرض للمصادرة والحرق، مما أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس كان لهم وحدهم حق شرحها وتأويلها، فلم يكن بأيدي الناس من المصادر التي يراجعون على أساسها ما يسمعون من رجال الكنيسة، فتكلم هؤلاء وحدهم وكان على الناس جميعاً أن يسمعوا من هذه الفئة التي احتكرت حق الشرح والبيان، فكان على الناس أن يقدموا الطاعة العمياء، فشجع ذلك رجال الكنيسة على الطغيان وفرض سلطانهم وتعميق هيبتهم لدى الناس، وكان من نماذج هذا الطغيان:
الطغيان الديني: فمنذ مجمع نيقية عام 325م والكنيسة تمارس الطغيان الديني، حيث فرضت عقيدة التثليث، ولعنت مخالفيها، وعذبت الموحدين، ومارست التحليل والتحريم والنسخ والإضافة، فحرمت الختان، وأباحت الميتة، والتماثيل والضرائب التي تجبيها الكنائس، وغير ذلك من المحرمات التي أحلتها المجامع الكنسية، كما أضافت الكنيسة ألواناً من المعتقدات الوثنية كقضية الاستحالة في العشاء الرباني، وعقيدة الخطيئة الموروثة وعقيدة الصلب والعذراء والطقوس السبعة، فرضت الكنيسة كل ذلك على أتباعها بحجة أنها أسرار عليا لا يجوز الشك فيها بل لا يجوز الخوض فيها.
لم يقف الأمر عند هذا الحد من الطغيان الذي فرض على الناس الانصياع لتلك المعتقدات، بل تعدى ذلك إلى إنزال النكال البشع بكل من تسول له نفسه الاعتراض أو التبرم من أحوال الكنيسة، وفساد رجالها، وما خبر محاكم التفتيش بجديد، فقد كان المسلمون في الأندلس هم الضحية الأولى لتلك المحاكم البشعة، فقد أبيدوا إبادة تامة بأقسى وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية، وكانت المحكمة الأم لهذه المحاكم الوحشية (المحكمة المقدسة!! في روما) ، وإن المؤرخين ليصابون بالرعب عند ذكر هذه المحاكم وسرد تاريخها الأسود فكيف بالضحايا الذين وقع عليهم هذا العذاب الذي يفوق الخيال، وكان يكفي لوقوع الشخص في هذا العذاب الرهيب أن يشي به جاره أنه سمعه يذكر الثالوث أو المعجزات بما يعد في نظر رجال الكنيسة جريمة يستحق صاحبها أن يقطع جسده أو يفرم في مفارم اللحم أم يشعل تحته النيران الخفيفة ليموت موتاً بطيئاً أو تغرز الكلاليب في لسانه ويشد فيقطع، وعقدت الأهوال ألسنة كبار العلماء الأفذاذ مثل نيوتن وبيكون وديكارت وكانت وغيرهم، فلم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بكلمة تثير عليهم غضب رجال الكنيسة القساة.
الطغيان السياسي:
من الطبيعي أن يكون لرجال الدين في أي أمة أثرهم الطيب في المجتمع، وأن تكون أزمة الأمور في أيديهم، لتقويم المعوج وتصحيح الخطأ، أما أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين، مع نبذ شريعة الله، ليحل محلها التسلط والاستبداد، فذلك العجب العجاب، لكن هذا هو الذي حدث من الكنيسة، حيث تناحر البابوات مع الأباطرة على النفوذ، والقبض على مقاليد الأمور في المجتمع، ولم يفتأ البابوات يعلنون أن الكنيسة بوصفها نظاماً إلهياً خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه أن يخلع الملوك غير الصالحين، أو يرفض اختيار البشر للحكام.
ظلت الكنيسة على هذا الحال من السلطة الروحية البالغة، والهيكل التنظيمي الدقيق والاستبداد المطلق، فكان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان بإمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ومن رفض الرضوخ لأحكام البابوات أسقط البابوات عنه الشرعية وأعلنوا الحرب عليه.