ولعل خير مثال على ذلك يعرضه علينا المؤرخ البريطاني"ويلز"، وكذلك"ديورانت"في (قصة الحضارة) وهو حادثة الإمبراطور الألماني (هنري الرابع) المشهورة مع البابا جريجوري السابع، فقد جرى بينهما خلاف فظن الإمبراطور أن بوسعه أن يخلع البابا فرد البابا بخلعه، وألب عليه أتباعه والأمراء، فعقد الأمراء مجمعاً وقرروا فيه أن الإمبراطور سيفقد عرشه إلى الأبد إذا لم يحصل على عفو البابا، وخضع الإمبراطور وأذل نفسه وسافر مجتازاً جبال الإلب في برد الشتاء القارس، وظل واقفاً في فناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش، حافي القدمين، عاري الرأس، مظهراً كل علامات المسكنة والتوبة حتى ظفر بالمغفرة، وحظي برضا البابا!.
وأشار المؤلف إلى نماذج من التحديات التي كانت تصدر من بعض الملوك تجاه الكنيسة لكنها كانت تتحطم أمام نفوذ الكنيسة وطغيانها، وكان من أشهر هؤلاء الملوك الذين قاوموا هذا الطغيان الإمبراطور"فردريك الثاني"الذي عرف بصلابته التي عزاها المؤرخون إلى ثقافته العربية والإسلامية حتى اتهمته الكنيسة بأنه اعتنق الإسلام وسمته الزنديق الأعظم، فدافع هذا الإمبراطور عن نفسه برسالة عدت وثيقة هامة في وصف الصراع بين البابوات والملوك، أو الصراع بين الكنيسة والعلمانيين الذي كان يثور ويتأجج، فكان موقف فردريك ظاهرة فذة، لكنها لم تصمد أمام قرارات الحرمان، وسطوة الكنيسة الباغية.
الطغيان المالي:
بين المؤلف أن الأناجيل على ما فيها من تحريف كانت قاطعة في الدعوة إلى الزهد، والتنفير من التهالك على ملذات الدنيا لا سيما جمع المال والافتتان به، وأن المسيح - عليه السلام - كان أسوة حسنة في ذلك فقد عزف هو وحواريوه عن الدنيا عزوفاً صادقاً بينما كان القوم من اليهود ينظرون إلى الدنيا نظرة جشع لا ينتهي وشره لا ينقطع.
وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقات عجيبة بين مفهوم الكنيسة في هذا الأمر وبين واقعها العملي، فبينما كانت تحرم ما أحل الله من الطيبات متأثرة بتلك النظرة التشاؤمية للحياة الدنيا كانت سيرتها الذاتية مخزية، حيث تهالكت على الدنيا وامتصت دماء أتباعها وعاش رجالها في بذخ متناه، وكانت أملاك الكنيسة الإقطاعية من الأراضي تفوق كبار الإقطاعيين في أوربا، حتى بلغت ممتلكاتها الإقطاعية ثلث أراضي إنجلترا، كما كانت تأخذ الضرائب الباهظة من الباقي من الأرض، كما فرضت الكنيسة العشور على غلات الأراضي الزراعية والمهنيين، ولم تكتف الكنيسة بالأوقاف والعشور بل فرضت الرسوم والضرائب، كما كانت تحظى بالكثير من الهدايا والهبات التي كان الأثرياء يقدمونها لها للتملق أو الرياء أو ما كان منها على سبيل الصدقة والإحسان، وفوق ذلك كانت هناك المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر على الكنيسة أموالاً طائلة، كما كانت الكنيسة ترغم أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها لا سيما بناء الكنائس والأضرحة، كان كل ذلك يملأ نفوس الناس جميعاً بالسخط إلا أن الظروف لم تكن مواتية لإعلان هذا السخط أو التعبير عنه بشكل صريح.
الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم:
بين المؤلف في هذا الفصل أن الصراع الذي نشب بين العلم والدين كان من أعقد وأعمق المشكلات في التاريخ الفكري الأوربي، ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة قد حسمت لصالح العلم، فإن هناك ما يدل على أن الدين أو بعض قضاياه الاعتقادية والسلوكية لا يزال موجوداً، وأن المعركة لم تحسم نهائياً، بل هي مستمرة، وأن كل طرف من الطرفين قد حقق في هذا الصراع ثباتاً وصموداً، أو تمكن من احتلال مساحات من مناطق نفوذ الآخر، فالمناطق التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي في الحقيقة المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء.
ويلخص المؤلف هذه الفكرة في عبارة موجزة فيقول:"إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر أو سينتصر على الباطل في كليهما، وأنه لو كان الدين الأوروبي يقيناً مجرداً والعلم الأوروبي يقيناً مجرداً لما حدثت معركة على الإطلاق". ويضيف:"إن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، ولهذا فإن الأوفق أن نسمي ما حدث في الغرب صراعاً بين الكنيسة والعلم وليس بين الدين والعلم".
ثم يبين أن جناية رجال الدين الأوربيين على الحقيقة كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العلم عليها، ذلك أن الكنيسة ارتكبت خطأين فادحين: أحدهما تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بالفلسفة والأهواء، والآخر فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلاً في نطاق اختصاصها.