د. عبدالله بن ناصر الصبيح 3/11/1425
لمصطلح"الديمقراطية"جاذبية كبيرة، ولاسيما في ظل الهجمة الثقافية الغربية على الثقافات المحلية واختيارات الشعوب. وأصبحت تعني عند كثيرين الحرية والتقدم والسلام والاستقرار والرخاء الاجتماعي، بل إنها تعني عند البعض الخير والسعادة كلها.
ومما ساهم في رسم هذه الصورة الوضيئة للديمقراطية الضجيج الإعلامي حولها الذي ربط باسمها كثيراً من الأوهام فصارت تمثل الخلطة السحرية لمعالجة مشاكل المجتمعات المتخلفة. ونتيجة لهذا الصخب العالي وقع كثيرون فيما يمكن أن أسميه"فخ الديمقراطية"، ويعني احتقار الثقافة المحلية وإقصاءها وإفساح المجال لنماذج من الممارسة والمفاهيم لا تمت للواقع بصلة.
ومما يقي من الوقوع في فخ الديمقراطية الوعي بما وجّهه إليها كبار منظّريها من نقد، و اتهموها به من قصور؛ سواء في المفهوم أوفي صوره التطبيقية.
والديمقراطية ليست خيراً محضاً وليست شراً محضاً، ولكن بعض من يدعو إليها لا يراها إلا مفهوماً واحداً متماسكاً له صورة تطبيقية واحدة، والصورة الماثلة في ذهنه لها هي البرلمان والانتخابات، ونتيجة تصور هؤلاء ديمقراطية زائفة. وآخرون ممن يعارضون الديمقراطية لا يتبادر إلى أذهانهم منها إلا أنها حكم الشعب، ومن ثم فهي مرفوضة بإطلاق، ونتيجة تصور هؤلاء حكم الفرد المستبد.
وفي الواقع التطبيقي وفي التصور الفلسفي ليست الديمقراطية مفهوماً واحداً وليس لها صورة تطبيقية واحدة لا تتعدد. وهذا التنوع في المفهوم والممارسة سببه تنوع الخلفية الفلسفية والظروف الاجتماعية في المجتمعات التي طُبّقت فيها الديمقراطية.
فالديمقراطية حينما نشأت في أثينا قبل أكثر من ألفي سنة كانت خياراً للشعب في إدارة شؤونه مقابل حكم الفرد المستبد. فهي كانت وسيلة للتخلص من استبداد الفرد وتمكين أفراد الشعب من التعبير عن إرادتهم في طريقة إدارة مدينتهم.
وقد تطور مفهوم الديمقراطية من ديمقراطية أثينا التي تسمى"الديمقراطية المباشرة"إلى"الديمقراطية التمثيلية"في عصرنا الحاضر وهي ذات مفاهيم وصور تطبيقية متعددة.
وكثيرون من منظّري الديمقراطية يفرّقون بين الفلسفة والقيم التي تشكل محتوى الديمقراطية، وبين الديمقراطية من حيث هي أداة لاستطلاع رأي الشعب أو وسيلة للحكم. ويرَوْن أن الديمقراطية المجردة من حيث هي أداة عاجزة عن تحقيق الهدف منها في المجتمع. ولهذا يتحدثون عن مبادئ للديمقراطية يرون أنه لا بد من تحقيقها، ومنها: سيادة القانون وحرية التعبير، ومبدأ الفصل بين السلطات، والشفافية في الحكم، وعلمانية الدولة. وقد ذكر (يوروفسكي) في بحث له عن الديمقراطية الأمريكية أحد
عشر مبدأً يرى أنها تشكل العنصر الأساسي لفهم الديمقراطية، وكيف تعمل في الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أن هذه المبادئ تحظى بالقبول من منظري الديمقراطية إلا أننا نجد جدلا ًبينهم في بعض المبادئ ومحاولة منهم لتقليصها، فمثلا من مبادئ الديمقراطية مبدأ الأغلبية الذي يعني القبول بالقرار الصادر عن الأغلبية. وهو مبدأ إذا افتقدته الديمقراطية لم تعد ديمقراطية وفقدت الهدف منها، ومع ذلك نجد أن كثيرين من منظّري الديمقراطية كما يقول (ألان تورين) في كتابه"ماهي الديمقراطية؟"كانوا يخشون من استبداد الأكثرية، بل يقول: إنه لم تكن مسألة أشدّ منها حضوراً عند المفكرين الأمريكيين الذين وضعوا الدستور الأمريكي بعد حرب الاستقلال. ولهذا كان الاتجاه في الماضي إلى حصر حرية الانتخاب في النخب واستثناء طوائف من الشعب كالنساء والعبيد.
وهذا الجدل العريض حول مفهوم الديمقراطية وتطبيقاتها يدفعنا معشر المسلمين إلى أن نخوض فيه ونجتهد في تكييف ديمقراطية تناسب تصورنا الإسلامي، ومما أقترحه في ذلك مايلي:
أولاً: التمييز بين المحتوى والوسيلة فيمكن أن نقبل الديمقراطية وسيلة للحكم ولاستطلاع رأي الشعب، ولكن أرى أنه ينبغي لنا أن نصوغ المحتوى الفكري، والقيم التي تحكمها بما يتفق مع قيمنا الإسلامية. ومن ذلك أن تكون المرجعية في الحكم هي الشريعة الإسلامية، وليست إرادة الشعب. وبهذا يمكن أن نعرف ديمقراطيتنا بأن مرجعها هو القرآن والسنة. وهذا ليس بدعاً في المفهوم الديمقراطي، حيث شاع عند فلاسفتها أنها وسيلة لا تستقيم من غير فلسفة تكون محتواها، يقول المفكر الأمريكي زبغنيو بريجنسكي:"إن الديمقراطية يمكن أن تكون هي إسهام الغرب الأساسي، إلا أن الديمقراطية ما هي إلا وعاء يجب أن يمتلئ بمحتوى...". ونحن يمكن أن نملأ الوعاء بما يتفق مع ديننا.
ومن يدعون إلى الديمقراطية في عصرنا لا يكتفون بالحديث عنها مجردة وإنما يربطونها بالفلسفة اللبرالية وحرية الفرد، ويرون أن الديمقراطية التي لا تحقق ذلك ليست حقيقية. وإذا جاز لهؤلاء أن يربطوها بفلسفة ارتضوها ألا يحق لسواهم فعل الشيء نفسه؟
وربما اعترض معترض بأن هذا يتعارض مع أحد مبادئ الديمقراطية وهو علمانية الدولة، وأجمل الردّ على هذا الاعتراض في النقاط التالية: