تقول إيناس بفخر"صحيح أنهن لا يستطعن في هذا العمر فهم ما يحفظونه، ولكننا نعتقد بأن الفهم يأتي بعد أن يصبح القرآن جزءاً منك".
وفي حارات دمشق تعقد نساء يميزن بعضهن البعض من خلال الطريقة المييزة التي يربطن بها الحجاب اجتماعات لجماعة إسلامية نسائية سرية تدعى بالقبيسيات.
في هذه الاجتماعات، تتعلم المنتسبات، على حد قولهن، المزيد من العقيدة ويدرسن أيضاً كيفية السيطرة على بعض الأشخاص المقربين منهم مثل أبائهم، أزواجهم وذلك كي يدعمن حضورهن الإسلامي في الحياة العامة.
هذان هما الوجهان لإحياء الدين الإسلامي على يد النساء في سوريا، هذا الإحياء الذي يضيف تحدياً أخر على التحديات التي تواجهها هذه الدولة العلمانية. وعلى الرغم من أن المسؤولين في الدولة ينفون بقوة وجود هذه التحديات الا أن سوريا تسير بسرعة باتجاه الدين ويبدو أن هويتها القومية بدأت تضعف. وفي حال طغت الصبغة الإسلامية على هويتها فقد تقوض وحدة المجتمع الذي تحكمه أقلية دينية إسلامية وهي العلويين، ويضم العديد من الجماعات الدينية.
المسؤولون السوريون، اللذين كانوا يترأسون المناصب العليا خلال فترة الحرب التي جرّها حزب الله على لبنان، متيقظون جداً للسبل الكثيرة التي قد تسلكها الجماعات الدينية، التي تزداد قوة، لإضعاف سلطة الدولة. وعلى الرغم من أن الحكومة السورية تدعم حزب الله، إلا أنها تتخذ خطوات تؤكد فيها على أن الظاهرة التي ساعدت في بنائها في لبنان لن تأتي لتلوح بشبحها على سوريا.
ويقول رجل الدين الإسلامي السوري محمد حبش"كان يقال لنا بأن علينا ترك الإسلام خلفنا كي نعثر على مستقبلنا"."ولكن اليوم، إذا سألت الشعب السوري عن تاريخه سيقول لك إن تاريخي تاريخ إسلامي. فالجيل الجديد بأكمله يقرأ القرآن".
والنساء في طليعة هذه الحركة. فعلى الرغم من أن الرجال في العالم الإسلامي هم عادة من يفسرون القرآن ويؤمون بالمصلين، إلا أن سوريا هي الوحيدة فعلياً في العالم العربي التي تشهد انبعاثاً لتقليد قديم العهد متمثل بتنصيب امرأة منصب الشيخة. ويقول مدرسوا الدين بان عدد مدارس الفتيات الدينية يفوق عدد مدراس الفتيان الدينية.
ليس هناك احصائيات رسمية حول عدد مدارس الفتيات التي تعد نحو 700 مدرسة. ولكن وفقاً لمسح للتعليم الاسلامي في سوريا، نشرته صحيفة الحياة، هناك نحو 80 مدرسة من هذه المدارس في دمشق وحدها، وهي تضم نحو 75,000 امرأة وفتاة نصفهم تقريباً منتسبات الى جماعة القبيسيات.
لسنوات عديدة كان أي مظهر من مظاهر الورع الديني يرتبط ببعض الشكوك. ولكن في الوقت الذي كان فيه الرجال المشتبه بارتباطهم بنشاطات إسلامية يعتقلون ويستجوبون ويسجنون، فقد كان تعريض النساء الى مثل ذلك ليسبب صرخة اعتراض شعبية لا تستطيع الحكومة النفاذ منها.
لذا استفادت النساء من الحرية الكبيرة نسبياً الممنوحة لهن في تشكيل جماعات إسلامية، واكتساب قوة ضاربة الجذور ومتنفذة في نشر ممارسة إسلامية أشد وأكثر محافظة في عائلاتهم وفي مجتمعاتهم.
وطالما أن عناصر الاستخبارات ما تزال تراقب التجمعات السرية التي تتضمن حلقان نقاش دينية إسلامية، فإن الجماعات الدينية مثل القبيسيات تلتقي غالباً سراً، وغالباً ما يكون هناك نسوة يقف على الباب كحراس لمنع المتطفلين من الدخول.
من الجدير بالذكر أن هذه الجماعة أخذت اسمها من اسم مؤسستها، الشيخة منيرة القبيسي.
إحدى النساء حضرت بعض اجتماعات القبيسيات وصفت نشاطات الجماعات بكلمات قاسية وهي امرأة ثرية وتبلغ من العمر 50 عاماً، وتعيش في دمشق. ولكنها طلبت عدم ذكر اسمها خوفاً من التعرض للعقاب.
وتقول هذه المرأة بان يتم دعوة الفتاة التي تعتقد بأنها راغبة بالالتزام بعقيدتها من قبل أحد الأقارب أو زملاء المدرسة لحضور الاجتماع. وهناك تجلس الشيخة على منصة مرتفعة وتخطب بالنساء المحتشدات خطبة عن الأمور الدينية وتجيب عن الأسئلة.
وتضيف المرأة، القبيسيات يعقدن حجابهن بشكل متميز حيث يترك العقدة منتفخة أسفل الذقن. وتتغير ألوان الحجاب والمانطو وفقاً لمستويات الدراسة الدينية التي يحصلن عليها. فالمنتسبات الجدد يرتدين حجاباً ابيض ومانطو من اللون الأخضر الفاتح. وبعد تخرجهن من المرحلة الأولى يسمحن لهن بارتداء حجاب من الأزرق السماوي ومانطو من اللون الأزرق تقريباً. وفي المرحلة النهائية قد تمنحهن الشيخة إذنها بتغطية أنفسهن بالأسود بشكل كامل.
وتصف لنا هديل التي ذكرت فقط اسمها الأول وهي سورية في عقدها الثاني من العمر، كيف أصبحت أحد أعز صديقات طفولتها من القبيسيات وكيف شجعتها على تقليدها.
حيث قالت"كانت رشا تتصل بي وتقول: اليوم سنذهب للتسوق، وهذه كانت كلمة السر وتعني أن اليوم هناك درس الساعة السابعة والنصف". وتضيف هديل"ذهبت ثلاثة مرات الى الاجتماع وكان ذلك مذهلاً في الحقيقة. فهم يقدمون وجبات غالية فقط للفتيات المراهقات قبل بدء الدرس كما ان لديهم سيارات مرسيدس فاخرة لتوصيلك الى المنزل بعد انتهاء الدرس".