فهرس الكتاب

الصفحة 22928 من 27364

•…• وما كان [التطور العالمي] ليغلب المسلمين على أمرهم.. فهو ليس [حتمية] حقيقية كما خيل اليهود للبشرية ليدفعوها في المسار الذي جرفوها إليه. إنما انجرفت أوروبا في تيار التطور اليهودي لخوائها من العقيدة الصحيحة، ولأن عقيدتها الممسوخة لم تكن تصلح للحياة، ولا كانت تقدر على الصمود أمام كيد اليهود. ولكن المسلمين كانوا قمينين أن يصمدوا ولا ينهزموا أمام [التطور] المزعوم، الذي انتكس فيه [الإنسان] أكبر نكسة وقع فيها في تاريخه كله، في مجال القيم والأخلاق والمبادئ؛ بل في مجال [إنسانية الإنسان] ذاتها، بالرغم من البريق الخاطف، وعلى الرغم من كثرة ما قيل في هذا العصر عن [إنسانية الإنسان] ..! كان المسلمون قمينين أن يصمدوا ولا ينهزموا لأنهم يملكون العقيدة الصحيحة من جهة؛ ولأنهم هم المؤهلون أن يقفوا للكيد اليهودي من جهة أخرى، لأن الله وعدهم بالنجاة من ذلك الكيد إن استقاموا على الشرط: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} .

بل كان المسلمون قمينين أن يصححوا أفكار البشرية الزائغة إزاء لوثة الداروينية، ولوثة التطور، ولوثة المادية، ولوثة التفسير الجنسي للسلوك البشري، والتفسير الآلي للحياة، ولوثة [التحرر] من كل القيم، ولوثة إخراج المرأة من بيتها ووظيفتها، لتكدح وتشقى من أجل لقمة العيش، وتتبذل وتفسد، وتفسد المجتمع كله معها في نهاية الأمر.

•…• ولكنهم لم يكونوا.. فأصابهم ما أصابهم.. وبدلا من أن يصححوا للبشرية منهج حياتها، ويهدوها إلى المنهج الحق، تخلوا هم عن منهجهم الرباني، وراحوا يلهثون لهثا وراء الجاهلية الأوربية، ويستأذنونها في مذلة - أن تسمح لهم باللهث وراءها، ولا تحتقرهم ولا تستصغرهم إلى أن يتمكنوا من اللحاق بها في آخر الشوط!

وذلك هو التفسير الحقيقي لما حدث في قضية المرأة، وكل القضايا الأخرى التي ألمت بالمسلمين في أثناء [نهضتهم] المعاصرة.

•…• دخلت المرأة الجامعة لا [لتتعلم] فقط.. ولكن [لتتحرر] !

لتتحرر من الدين والأخلاق والتقاليد!!

فقد قيل لها- كما قيل للمرأة الأوروبية من قبل- إن التعليم..

والاختلاط.. والحرية.. و [التجربة] كلها [حقوق] للمرأة، كان الدين والأخلاق والتقاليد تمنعها من مزاولتها.. واليوم ينبغي أن تحطم الحواجز كلها لتحصل المرأة على مالها من حقوق.

وبطبيعة الحال لم تكن هناك طفرة.. إنما جاء كل شيء بالتدريج..

وما كان المخططون يتوقعون أن تحدث الطفرة- وإن تلهفت قلوبهم لمشاهدتها- ولا كان ذلك ممكنا في عالم الواقع.

•…• لقد دخلت أربع فتيات كلية الآداب في [الجامعة المصرية] مقتحمات كل الحواجز القائمة يومئذ، والمجتمع كله- بين مؤيد ومعارض- يرقب التجربة الجديدة، وما يمكن أن تسفر عنه.

وكان هناك- طبعا- قدر من الأدب، وقدر من الحياء، وقدر من الاحتشام، سواء من جانب الفتيات الأربع، أو من جانب الطلاب في مدرجات الجامعة وأفنيتها، والجو كله مملوء بالحذر والترقب.

ومع ذلك كله كتبت أمينة السعيد في مذكراتها التي نشرتها لها [الهلال] - وهي إحدى الفتيات الأربع اللواتي [اقتحمن] الحواجز، ليثبتن جدارة الفتاة المصرية بكذا وكذا مما أثبتن جدارتهن به!- كتبت تقول: إنه في الاختبار الشفوي في آخر العام كانت اللجنة- في اختبار اللغة الإنجليزية- مكونة من أستاذ إنجليزي وأستاذ مصري، وإن الأستاذ الإنجليزي ابتدرها في الاختبار بسؤالها عن رأيها في الحب!

تقول إنها من جانبها تلعثمت في بادئ الأمر. وإن الأستاذ المصري غضب حتى أحمر وجهه من الغضب، وغادر اللجنة، فقال لها الأستاذ الإنجليزي: لا عليك منه! استمري!

وتقول: إنها وجدت نفسها تنطلق في الحديث- عن الحب- بلا تلعثم ولا حياء! وهو المطلوب!

•…• لم تكن الجامعة المصرية- كما كانت جامعة القاهرة تسمى في ذلك الحين- قد أنشئت لترعى القيم الإسلامية، ولا لترعى تنشئة الشبان والفتيات تنشئة إسلامية.

إنما كانت قد أنشئت لتكون منبرا [حرا] .. يهاجم منه الدين والأخلاق والتقاليد مهاجمة شفوية وعملية كلما أمكن، مع الحذر من الخروج السافر دفعة واحدة، حتى ترسخ أقدام الجامعة، وتصبح معلما ثابتاً من معالم الحياة المصرية.. فلا عليها بعد ذلك أن تفعل ما تشاء علانية بدون مواربة، فلن يصيبها يومئذ ما يقتلع جذورها بعد أن تثبت وتستقر.

كانت مدرسة المعلمين العليا- الدنلوبية- قد استنفذت أغراضها في تخريج المدرسين الذين سيوالون تعليم الأجيال فترة غير قصيرة من الزمن، يبثون فيهم ما بث فيهم من قبل من نفور من الدين وأهله، وانسلاخ من آدابه وقيمه، وعبودية مقنعة أو سافرة للغرب.

واليوم يراد توسيع الدائرة.. فالمدرسون مهمون نعم، ومطلوبون نعم، ولكن المدرس بطبيعة نشأته محدود الأفق، محصور في دائرته لا يغادرها، تتحول حياته بعد حين إلى رتابة مملة، فينغلق على نفسه، ويفقد حيويته وخصوبة فكره.. إلا النادر القليل.

ونريد اليوم أن يكون لدينا [مفكرون] .. [أحرار] لينشروا [حرية الفكر] على مستوى المجتمع كله.. رجاله ونسائه وكل من فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت