فهرس الكتاب

الصفحة 22927 من 27364

كان ظاهر الأمر أنهم ينطلقون من منطلق إسلامي.. وقد كثر في كلامهم بالفعل ذكر الدين والأخلاق والتقاليد.. ولكن هل كانوا على وعي حقيقي بالإسلام؟

لقد كان وعيهم به ضئيلا في الحقيقة.. وكان إخلاصهم للتقاليد أعمق في حسهم من الإخلاص للدين! أو قل: إن التقاليد التي كانوا يحرصون عليها ويدافعون عنها كانت مختلطة في حسهم بالدين، ومن ثم كان يختلط عليهم الإخلاص للتقاليد بالإخلاص للدين!

ولكنها لم تكن في الحقيقة تقاليد إسلامية.. إنما كانت تقاليد جاهلية ارتدت إليها المرأة المسلمة في فترة تخلفها العقدي، ثم اختلطت في حسها بالإسلام، وظن المدافعون عنها بإخلاص أنهم يدافعون عن الدين! وكانت عنجهية الرجل ولا شك عنصراً من عناصر القضية..

كان يحب أن يتميز وينفرد بأشياء، سواء كانت مما ميزه الله به حقيقة أو مما ميزته به الجاهلية، ويختلط الأمران معا في حسه، فيعتقد أنهما- كليهما - من صميم الدين، وأنه حين يدافع عن مركزه المتميز، ويدفع المرأة عن اللحاق به، يدافع عن الدين!

ولم يفت المدافعين عن [قضية المرأة ] أن يستغلوا نقطة الضعف هذه في موقف المعارضين، وأن يستغلوها إلى آخر المدى.. فدعوا إلى إخراج الدين كله من القضية، والحديث عنها على أنها قضية تقاليد.. وحين تكون على هذه الصورة، فهي إذن تقاليد عتيقة بالية، ينبغي أن تحطم ويستبدل بها تقاليد جديدة.. عصرية تقدمية متطورة.

وبطبيعة الحال لم يرض المتدينون والحريصون على الأخلاق عن حصر القضية في محيط التقاليد وإخراجها من دائرة الدين، كما كان أعداؤهم يدعونهم كلما احتدمت المعركة بقولهم: لا تزجوا بالدين في كل الأمور! فالدين لا علاقة له بهذه الأمور!!

ولكنهم في النهاية انهزموا وتراجعوا.. ثم صمتوا.. وتقرر الأمر الذي خطط له المخططون، فأصبح [أمرا واقعا] رضي المتدينون أو كرهوا، وأعلنوا رأيهم أو صمتوا عنه.لماذا حدث ذلك؟!

لم يكن [التطور العالمي] كما توهم المتوهمون. ولم يكن ضغط الحضارة الغربية. ولم يكن [الحق] الذي كان مغلوبا، ثم انتصر كما أذاع المدافعون عن قضية المرأة. ولم تكن [طبيعة القضية] وكونها قضية عالمية لابد أن تأخذ مجراها في كل الأرض.. بل لم يكن الغزو الفكري في ذاته هو الذي جعل الأمور تأخذ هذه الصورة.

إنما كان قبل كل شيء: الهزيمة الداخلية الناشئة من الخواء الناجم بدوره عن التخلف العقدي، والانبهار بما عند الغرب، والظن بأنه لابد أن يكون صوابا ما دام آتيا من عند الأقوياء الغالبين!

نعم، إنها الهزيمة الروحية هي التي مكنت للغزو الفكري، وهي التي جعلت كل ما يخططه المخططون ينفذ كأنه أمر حتمي لا مرد له، ولا طاقة لأحد بالوقوف في طريقه!

وما كان شيء من ذلك ليحدث لو أن المسلمين كانوا على إسلام صحيح.

•…• فالعقيدة الحية المتمكنة من القلوب لا تقهر، ولا يتخلى عنها أصحابها مهما وقع عليهم من الضغوط.

•…• والاستعلاء بالإيمان يقي الناس من الذوبان في عدوهم ولو انهزموا أمامه في المعركة الحربية.

والغنى النفسي الذي يحدثه الإيمان الحق بالله، والغنى الواقعي الذي يحدثه التطبيق الصحيح للمنهج الرباني، يجعل المسلم- فردا وجماعة ومجتمعا ودولة- في غنى عن الاقتراض من عالم القيم والمبادئ- فضلا عن التسول!- وإذا احتاج لشيء من أمور الدنيا يفتقده عنده فإنه يأخذه في استعلاء المؤمن، ويطوعه لمنهجه الرباني، ويصبح مالكا له لا مملوكا له.

•…• وما كان الغزو الفكري ليتسرب إلى نفوس المسلمين- لو كانوا على إسلام صحيح- ولا إلى عقولهم وأفكارهم ومشاعرهم، حتى يزيلهم عن قاعدتهم، ويجرفهم في التيار.. غثاء كغثاء السيل، كما وصفهم رسول ا صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا من الزمان.

•…• وما كان ضغط الحضارة الغربية ليجلي المسلمين عن مواقعهم، وهي حضارة زائفة ممسوخة في عالم القيم، على الرغم من كل التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي الذي يشتمل عليه. وقد كان المسلمون قمينين أن يأخذوا كل التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي الذي يحتاجون إليه- كما أخذوا من الروم والفرس أول مرة- دون أن يفقدوا إسلامهم، أو يتخلوا عن ذاتيتهم، أو تختلط القيم والموازين في حسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت