فهرس الكتاب

الصفحة 18245 من 27364

قل لي فيم تفكر أقل لك من أنت.

هل أنت مشغول بجمع المال و امتلاك العقارات و تكديس الأسهم و السندات؟ أم مشغول بالتسلق على المناصب و جمع السلطات و التحرك في موكب من الخدم و الحشم و السكرتيرات؟ أم أن كل همك الحريم و موائد المتع و لذات الحواس و كل غايتك أن تكون لك القوة و السطوة و الغنى و المسرات..

إذا كان هذا همك فأنت مملوك و عبد.

مملوك لأطماعك و شهواتك، و عبد لرغباتك التي لا شبع لها و لا نهاية.

فالمعنى الوحيد للسيادة هو أن تكون سيدا على نفسك أولا قبل أن تحاول أن تسود غيرك. أن تكون ملكا على مملكة نفسك. أن تتحرر من أغلال طمعك و تقبض على زمام شهوتك.

و القابض على زمام شهوته، المتحرر من طمعه و نزواته و أهوائه لا يكون خياله مستعمرة يحتلها الحريم و الكأس و الطاس، و الفدادين و الأطيان و العمارات، و المناصب و السكرتيرات.

الإنسان الحقيقي لا يفكر في الدنيا التي يرتمي عليها طغمة الناس.

و هو لا يمكن أن يصبح سيدا بأن يكون مملوكا، و لا يبلغ سيادة عن طريق عبودية. و لا ينحني كما ينحني الدهماء و يسيل لعابه أمام لقمة أو ساق عريان أو منصب شاغر. فهذه سكة النازل لا سكة الطالع.

و هؤلاء سكان البدروم حتى و لو كانت أسماؤهم بشوات و بكوات، و حتى و لو كانت ألقابهم، أصحاب العزة و السعادة.

فالعزة الحقيقية هي عزة النفس عن التدني و الطلب.

و ممكن أن تكون رجلا بسيطا، لا بك، و لا باشا، و لا صاحب شأن، و لكن مع ذلك سيدا حقيقيا، فيك عزة الملوك و جلال السلاطين، لأنك استطعت أن تسود مملكة نفسك.

و ساعتها سوف يعطيك الله السلطان على الناس. و يمنحك صولجان المحبة على كل القلوب.

انظر إلى غاندي العريان.. البسيط.. كم بلغ سلطانه؟

كان يهدد بالصوم فيجتمع مجلس العموم البريطاني من الخوف و كأن قنبلة زمنية ستقع على لندن. و كان يجمع أربعمائة مليون هندي على كلمة يقولها. و كأنها السحر.

هذا هو السلطان الحقيقي.

هذا هو الملك الحقيقي الذي لا يزول.

الحريم و القصور و الكنوز و الثروات و العمارات مصيرها إلى زوال.

لن تأخذها معك إلى تابوتك. سوف تنتقل إلى الورثة.. ثم إلى ورثة آخرين، ثم تصبح خرائب مع الزمن.

أما محبة الملايين فسوف تصاحبك في تابوتك و تظل علما على اسمك مدى الدهر. كما تفوح الذكرى عطرة تضوع بالشذا كلما جاء اسم غاندي على الألسن.

الغنى الحقيقي أن تستغني.

و الملكية الحقيقية ألا يملكك أحد، و ألا تستولي عليك رغبة، و ألا تسوقك نزوة.

و السلطنة الحقيقية أن تكسب قيراط محبة في دولة القلوب كل يوم.

تذكر أن الذين يملكون الأرض تملكهم. و الذين يملكون الملايين، تسخرهم الملايين، ثم تجعل منهم عبيدا لتكثيرها، ثم تقتلهم بالضغط و الذبحة و القلق. ثم لا يأخذون معهم مليما.

صدقني هؤلاء هم الفقراء حقا.

بعض التواضع

نحن في عصر العلم ما في ذلك شك. صواريخ.. طائرات.. أقمار صناعية.. أدمغة إليكترونية..

و نحن في عصر الجهل ما في ذلك شك. فكل هذه الوسائل و الاختراعات العلمية نستخدمها في قتل أنفسنا و في التجسس على أنفسنا.

و الذي لا يقتل يقول في غرور. أنا الذي سوف أسبق إلى القمر.. أنا شعب الله المختار.. أنا على حق و الآخر على باطل.. أنا أبيض.. أنا جنس آري.. أنا جنس سامي..

و بين الغرور و الاستعلاء و الكبرياء و العدوان يضيع العلم، و يفتضح العلم، فإذا هو تفاخر الجهلاء بما يصنعون من لعب أطفال.

و أجهل الجهل أن نجهل أمرا جوهريا واضحا كالنهار.

أن يجهل العالم العظيم و المخترع العبقري أنه مخلوق.. و أنه يعيش على سلفة.. على قرض.. السنوات القليلة التي يعيشها هي قرض و سلفة بأجل محدود.. و أنه لا يملك هذا القرض و لا يستطيع أن يمد في أجله.

كل (( نبضة قلب ) )، و كل خفقة أنفاس، و كل خاطر، و كل فكرة، و كل خطوة، هي قرض.. سلفة.. هي قرش ينفق من الرصيد.

و هو رصيد لا نملكه و لم نبذل فيه جهدا.. و إنما هو عطاء مطلق أعطي لنا منذ لحظة الميلاد.

المخترع لا يخترع و إنما يجيئه الخاطر كما ينزل ندى الفجر على الزهر.

و الشاعر لا يؤلف من عدم، و إنما يهبط عليه إلهام الشعر فيورق عقله كما يورق الشجر في الربيع.

فهل يمتلك الشجر أزهاره أو أنها هبة الربيع؟

و العلم ذاته هبة.

الكهرباء موجودة منذ الأزل من قبل أن تكتشف بملايين السنين، و هي التي كانت تضيء السماء بالبروق و الصواعق.

نحن لم نخترع الكهرباء و لم نأت بها، فهي موجودة. و كذلك إشعاع الراديو و طاقة الذرة و مغناطيسية الحديد.

كل هذه كنوز موجودة تحت أيدينا..

و هي بعض الهبات التي وهبناها دون أن نطلبها.

نحن العلماء لا ندرك هذا و إنما نقول: اخترعنا. ابتكرنا، صنعنا، ألفنا، صنفنا.

ثم لا ندرك ما هو أخطر و أكثر وضوحا و بداهة.. إن العمر الذي نعيشه هو أيضا هبة لم نطلبها و لم نجتهد فيها.

الجميلة لم تجتهد لتولد جميلة.

و القوي لم يجتهد ليولد قويا.

و الحاد البصر لم يجتهد ليولد حاد البصر.

و نحن لا نقوم بصيانة هذا الشيء المعقد الملغز المعجز الذي اسمه الجسد الحي.. و إنما هو الذي يقوم بصيانة نفسه بنفسه بأساليب محيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت