فهرس الكتاب

الصفحة 24530 من 27364

أ.د عماد الدين خليل 24/1/1428

أما نهاية التاريخ التي قال بها المنظر الأمريكي (فرنسيس فوكوياما) فلا تعدو أن تكون افتراضاً، وهو إذا أحلناه على قوانين الحركة التاريخية نفسها يغدو افتراضاً مستحيلاً...

ذلك أن البشرية فُطرت على التغاير والتنوع والاختلاف، وهي معطيات تعكس نفسها على مرآة التاريخ حيناً، والجغرافيا حيناً آخر، وبصيغ شتى قد تبدأ بلون البشرة واللغة، والعادات والتقاليد الأولية، وتنتهي بالنشاط أو الفعل الحضاري بمفهومه الشامل.. وكل المحاولات التي جرت لإلغاء هذه الحقيقة أو تجاوزها، أو القفز عليها، آلت إلى الفشل.

و ( فوكوياما) نفسه عاد، بعد سنوات من إصداره كتابه المعروف، لكي يغير ويبدل في بنيته الأساسية، ولكي يعطي المجال للتغاير المحتوم بين الأمم والجماعات والشعوب.

لقد قالها القرآن الكريم بوضوح: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [سورة هود: 118] - إلاّ من رحم ربك- ولذلك خلقهم، أي خلقهم للتغاير والتنوع والاختلاف، وهي من بين جملة من الشروط التي تعين على تحريك الحياة البشرية ودفعها إلى الأمام، وتطهيرها من السكون والفساد: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [سورة البقرة: من الآية 251] .

في يوم ما حلمت الشيوعية بنهاية التاريخ على طريقتها الخاصة، تستلم البروليتاريا مقاليد السلطان، وتستوي الأمم والشعوب تحت مظلة شيوعية يستوي فيها الجميع، وتذوب خصوصيات وفواصل الأمم والطبقات والشعوب، ويغيب العمق التاريخي، والإرث الحضاري، و لا يتبقى هناك سوى نماذج مكررة تنتظر فرصتها للمأكل والمسكن والجنس.. فماذا كانت النتيجة؟

واليوم يحاول منظر أمريكي كفرنسيس فوكوياما أن يعيد المقولة نفسها، ولكن تحت مظلة الرأسمالية وبقيادة الدولة الكبرى والأقوى: الولايات المتحدة الأمريكية. وهرول المخدوعون بهذا الإدعاء يلقون أرديتهم وخصوصياتهم وإرثهم الثقافي ودينهم وعقيدتهم، وهم يتصورون أن الانتماء للمظلة الجديدة سيمنحهم الخبز والدفء والملذة والأمان.

وفي اعتقادي: فإن نظرية نهاية التاريخ وُلدت كي تموت؛ لأنها ترتطم ابتداء بقوانين التاريخ نفسه!

وأما سقوط الإيديولوجيات الذي أكدته معطيات القرن الأخير الموشك على الانصرام: إذ تهاوت نظرية الرجل الأبيض، والاستعماريات الغربية الكبرى، والشوفينيات العملاقة، والوجودية ذات الإغراء .. والشيوعية السوفيتية الأممية و .. فإنه لا يعني - بالضرورة- عدم قدرة الأيديولوجية أو العقيدة الأكثر انسجاماً مع مطالب الإنسان، على التواصل والديمومة والبقاء.. بل على العكس تماماً: إن سقوط الإيديولوجيات الوضعية يؤكد ضرورة الإيديولوجية الدينية؛ لأنها الوحيدة التي لا تأسرها نسبيات الزمن والمكان، أو تصوغها عقول بشرية، مهما جدت واجتهدت فإنها عرضة للخطأ والقصور والانحياز.. لأنها تفتقد- ابتداء- القدرة الشمولية، والرؤية الموضوعية العادلة، للوجود والمصير.

والعولمة هي إفراز طبيعي تماماً لجملة من الشروط والعوامل التي شكلت الحضارة الغربية المادية عبر القرون الثلاثة الأخيرة.. وهي مزيج مرتبط الوشائج من كل المؤثرات والمعطيات التي تنطوي عليها هذه الحضارة: التفوق العلمي في سياقيه الصرف والتطبيقي، والقدرة العسكرية بتقنياتها الهائلة المتمخضة عن ذلك التفوق.. والإمكانات الاقتصادية الأسطورية.. والمركزية الأوروبية المنسحبة، أو المهاجرة إلى القارة الجديدة، ورؤية الرجل الأبيض للشعوب الأخرى، والعقلية الاستعمارية الباحثة عن تسخير الأيدي والعقول العاملة الأكثر رخصاً وعطاءً، وعن الخامات التي تديم قدرتها على العمل والاستمرار، والأسواق التي تلتهم إنتاجها.. أضف إلى ذلك نبضها الديني الذي لا يزال يخفق تحت أردية العلمانية والإلحاد وينتظر الفرصة للرد على أولئك الذين تحدوه يوماً، وإنزال العقاب بهم.

هذه كلها تجتمع اليوم لكي تشكل منطوق العولمة بفرضياته ومعطياته معاً.. بل إن نظرية نهاية التاريخ نفسها، وبموازاتها نظرية صراع الحضارات لصمويل هنتنجتن وغيرهما من التنظيرات الفكرية تصب هي الأخرى في بؤرة العولمة.

ولنتذكر اللدغة التي تلقتها المنظومة الشرق أقصوية التي طمحت إلى قدر من الاستقلالية في نشاطها الاقتصادي والمالي... إذ سنجد أن الخاسر الوحيد في لعبة العولمة، أو دولابها الأسطوري هي الشعوب الأضعف، مهما كانت مطالبها عادلة ومحقة.

إن خط الغنى والفقر الذي سبق وأن تحدث عنه المفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله- والذي يمتد على محور طنجة- جاكرتا، فيفصل العالم إلى شمال وجنوب.. لن يكون بمقدور العولمة أن تلغيه بوعودها الخادعة، بل على العكس، وكما هو واضح عبر معطيات العقد الأخير، ستزيده عمقاً، وسيكون عبور الخنادق الموغلة بين الطرفين أمراً مستحيلاً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت