وقد أضافت العولمة وتقنيات الاتصال فرصاً وتحديات جديدة، حيث بدأت الدول تتخلى بسرعة عن كثير من وظائفها وسيادتها لصالح الشركات والمجتمع الأهلي أو للقوى والمنظمات الخارجية كالأمم المتحدة، وحلف الأطلسي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية أو للشركات العالمية الكبرى التي تحولت بسرعة فائقة إلى دول وإمبراطوريات عملاقة.
يرى"جون اسبوزيتو"الأستاذ بجامعة جورجتاون أن مشروعات ووعود النخب السياسية بالتنمية وحياة أفضل لم تتحقق، وارتبط هذا الفشل بالعلمانية، وكان المشهد الذي آلت إليه الدول والمجتمعات يدعو إلى ردود فعل عكسية وغاضبة وبحث عن وسائل وأطر أخرى للإصلاح غير تلك التي سادت طوال هذا القرن، حيث تكونت مجتمعات تستفيد فيها أقلية ضئيلة عدداً من كل مزايا الحضارة الحديثة، وترزح الأغلبية في بؤس وفقر، وكان هذا الغنى الفاحش والفقر المدقع على درجة من التجاور والاحتكاك، تؤدي إلى المواجهة المستمرة.
ويقدم ممثلو الحركات الدينية أنفسهم على أنهم سيحققون مجتمعاً أكثر أصالة وعدالة اجتماعية، ويدافعون عن الفقراء والمضطهدين، وقد جذبت هذه الحركات مهنيين ومثقفين وأساتذة وعلماء تخرجوا من أفضل الجامعات وأهمها في بلادهم وفي أوروبا وأمريكا، كما تستخدم بفاعلية التقنية الحديثة ووسائلها الإعلامية في التأثير والاتصال على نحو يبشر بمهارة قيادية وتقنية تؤهلها لقيادة المجتمعات والدول.
فالمجتمعات تبحث بحرقة عن أصالتها وهويتها، ولا يكفي القول إن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب الوحيدة المحركة للبعث الديني، وسيظل الدين والثقافة لها وزنها في التنمية.
وقد عرضت مجلة اليونسكو في أحد أعدادها صورتين متجاورتين ومعبرتين، في الصورة الأولى ترقص مجموعات من الهنود الحمر بملابسهم التقليدية، وفي الصورة الثانية يقف آلاف الروس في طابور طويل ينتظرون فرصة الدخول إلى مطعم مكدونالدز للوجبات السريعة، والصورتان ضمن حوار مع المفكر الهندي"سميتو كوتاري"أحد اثنين أسسا مركز لوكايان لتعزيز التبادل بين المثقفين في الهند والعالم، حيث يعرض كوتاري في ذلك الحوار أنماطاً وأمثلة مما يجري في العالم من سلب ممتلكات الآخرين المادية والمعنوية دون مراعاة واعتبار للعلاقة بين الدين والثقافة وبين التنمية، فقد أدى استخراج الموارد الطبيعية إلى تهميش الملايين في تلك المناطق وضياع هويتهم الثقافية.
وفي الهند تمتلك 42 عائلة أكثر مما يمتلكه 150 مليون مواطن هندي، والشاهد في الأمثلة ليس فقط في الفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء، ولكن في انقراض أفكار وثقافات كانت تحقق للناس قدراً كبيراً من احتياجاتهم كالزراعة والبناء وفق النظام التعاوني، فيستطيع الناس أن يحصلوا على بيوتهم وأقواتهم بمجهودهم دون نفقات مالية، والتدمير الذي حدث ليس فقط في النظام الاقتصادي، ولكن الثقافة المصاحبة لهذا النظام تعرضت للانهيار.
إن الحكومات والمؤسسات الأهلية تمتلك في الدين مورداً كبيراً، لو استثمر بشكل صحيح فإنه سيخفض جزءاً كبيراً من أعباء الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتستطيع الحكومات لو أرادت أن تحول المتدينين من أعداء لمجتمعهم وبلادهم إلى أعمدة مهمة في الاستقرار والإنتاج