غسان المفلح _ المقاربة: الأولى . الثانية . الثالثة . [الرابعة]
إذا كنا في المقاربات الثلاث الماضية قد تتبعنا تطورا مختصرا لعلاقة السلطة بالمجتمع السوري عبر تاريخيته بعد خروج الاستعمار الفرنسي من سورية 1946 فإننا نواجه حقيقة إشكاليات مفهومية وإجرائية انطلاقا من الوضعية الشاذة لهذه السلطة التي حاول الكثير من السوريين المهتمين وصفها بأنها نظاما شموليا . وهذه التسمية عصية على الخصوبة المعرفية في الدخول إلى تفاصيل اليومي والمعاش في الواقع السوري . وسأدخل في مثال مباشر لتفنيد مثل هذه المزاعم:
هتلر كان مقتنعا تماما بنظامه النازي وأيديولوجيته وهو صاحب مشروع في هذا الإطار وموسوليني كذلك والأهم من كل هؤلاء ستالين فستالين لم يكن يحمل أزدواجية انتماءه الجورجي والسوفييتي . بل أيضا هو صاحب مشروع أيديولوجي . والسؤال الآن: ماهو المشروع الأيديولوجي للنظام السوري ؟ وهل بالفعل الفاعل التاريخي داخل النظام هو صاحب مشروع أيديولوجي بعثي ؟ والمتتبع الآن للوضع السوري يرى أمثلة كثيرة ومهمة تعكس حالة النظام الشاذة وسأضرب مثالين حيين:
الأول: يتعلق بالتعزيز الطائفي للنظام والذي يناقض بالمطلق أيديولوجية البعث . هذا التعزيز الذي قام بمصادرة التطور الطبيعي للمجتمع السوري نحو ما يسمى إنتاج الطوائف سياسيا داخل سورية وهذا ما أدخل المجتمع والنظام في أفق مسدود يحتاج إلى إرادة من نوع مختلف وهي غير موجودة لدى هذه السلطة من أجل إخراج المجتمع السوري من حالة تطوره الشاذة وهذا لايعني أن النظام طائفي بل هو نظام سياسي اجتماعي اقتصادي قيمي منتج للعصبويات الجهوية . هل ثقافة المجتمع السوري الآن هي ثقافة لديها ثوابت وطنية ؟ ونحن لا نتحدث عن ثوابت عروبية أو إسلامية بل نتحدث عن ثوابت وطنية سورية إن التطييف الممارس قد ذرر أي ثابت سوري وطني كان يمكن له أن ينتجه مجتمع مدني حر . لدينا تعبيران أساسيان: الأمة العربية من جهة ولدينا أمة الطوائف من جهة أخرى في تمازج لقيط , وفي الحالتين هذا لم يخلق تماسكا وطنيا سوريا . على هذين العنوانين صادرت السلطة كل المجتمع واستطاعت أن تنتج مجتمعها ! فإذا كانت سلطة فاسدة ومطيفة للمجتمع فكيف سيكون المجتمع الذي صنعته على مقاسها .
قبل الدخول في المثال الثاني لابد من أن نعود إلى إحدى فرضياتنا وهي التي تتمحور حول: إن هذه السلطة قد خلعت المجتمع السوري من ثقافته وأحلت محلها ثقافة هجينة خاضعة لاعتبارات سياسية مرتجلة وراهنة ومسوقة عبر أجهزتها المختلفة وتحت إشراف أجهزة الأمن ذات الحضور الكلي في حياة المجتمع السوري بكل تفاصيله وأوضح نموذج هو ما يسمى الآن في سورية بظاهرة القبيسيات وهي مثالنا الثاني:
القبيسيات كنموذج ممكن لتنظيمات مجتمع ( مدني ) يريده النظام بحيث يقوم بحجز التطور العصري الطبيعي للمجتمع ضمن أطر تسمى مدنية وبنفس الوقت هي صناعة مخابراتية. وعندما نتحدث عن صناعة مخابراتية لا نعني بذلك أن القائمين على الظاهرة هم مخبرون أبدا . بل ما نريد قوله هو أن غطاء السلطة عليهم ولهم واضح جدا ولا أحد يجرؤ على القيام بمثل هذه التنظيمات دون موافقة السلطة , وخير مثال على ذلك هو: منع الكثير من محاولات تأسيس جمعيات نسائية مختصة بحقوق المرأة السورية وقمعت هذه الظواهر بقوة . ومن المستغرب أيضا أن تلك الجمعيات النسائية لم يكن يتجاوز عدد أعضاءها العشرات ولازالت تقابل بالقمع من قبل السلطة وليس آخرها جمعية ( المبادرة النسائية ) ! بينما هنالك تقدير أن القبيسيات قد تجاوزن العشرة آلاف إمرأة في سورية . وهذا يعود إلى العلاقة الملتبسة التي تعتمد تبادل المنافع والكراهية بين موجة الإسلام السياسي وبين ضيق مصالح السلطة في ارتجاليتها عموما لتطور المجتمع .