أنور العسيري 23/11/1423
بين العهد العمري -الذي قاد بإذن من الله شعاع الإسلام إلى أرض العراق، وبين العهد الصدامي الحديث- بون شاسع ومسافة كالفضاء لا تقطعها الأزمنة ولا الأمكنة، بون بين صناعة الحضارة على قاعدة النور الإسلامي وبين صناعة الهزيمة على قاعدة تنظيرات اللادينيين على مساحة الكرة الأرضية الشاسعة، بون بين معنى الرجولة الحقيقية التي أرسلت أفواج"سعد بن أبى وقاص"تدك معاقل الكفر، وتزرع الإسلام بساطا من نور، وبين رجولة صدام الحاكم بهوى نفسه، الذي قاد شعبه المسكين والمنكوب منذ فجر التاريخ الدموي لأرضه العذراء، إلى مهالك سماها معارك من أجل انتصار منطق العمالة الموحد على امتداد جغرافية الأنظمة السياسية الحاكمة في أرض أمتنا المباركة، وصل الإسلام -بفضل الله- ثم بفضل الرجال من قادة أمتنا- إلى العالم، وواصل فعل البعث العراقي مسلسل التدمير الذاتي للعراق إلى آخر لقطاته، لنرى هذه المرة أيموت الشعب من أجل انتصار البطل، أم ينتصر الشعب من أجل انهزام البطل ؟
انشطار في الفهم، وتعامٍ عن دور الحق، وقمع للنور وكبت للشعوب كان من نتائجه أن استنسخت من رحم صدام السلطة عشرات الأشكال، فتوزعت صورته في أنحاء الإدراك العربي المسلم لتجعله نموذجا حقيقياً لحالات صدامية تقبع في صدورنا منذ سنين، لا تريد التخلي عن مواقعها القيادية ولا تريد أن تتيح للآخر فرص التعبير والتغيير، ولا تملك مشروعا قابلا للفهم أو التطبيق، لكنها -على أي حال- تملك مشروعا شعريا سلطويا مادحا مصفقا مطبلا راقصا فنانا راكلا معبرا عن هم كرة وعن واقع إبداع المهرولين، بين هذه المشاريع المختلفة المتفقة بين مشاريع سلطوية اجتمعت مئات المرات، ولم تتفق على أي شيء، ويبدو أنها لن تتفق إلا على تمسكها بحقها في العيش على هرم السلطة، وبين واقع عالمي يقظ متوثب طامع مبهر متجاوز، يرفض الصغير ويحتقر الضعيف.
فمن يصدق أن إرهابيا مثل"نتينياهو"لم يصلِ لأنه ابن لعائلة فلان، بل لأنه رجل يفكر لدولته، وهاهو كتابه بين يديّ يرسم تصورا عميقا مفكرا لمستقبل دولته، أما نحن فنؤكد أن الكثير منا لم يعرف من العلم إلا قليلا ولم يقرأ إلا ما مدح به، ولم يدرك إلا ما صاح به مستشاره الغربي، أو ما أدركه منذ نعومة أظفاره، من أن الحركات الإسلامية خطر على كيان الدولة، أو فلنقل على كيان الكرسي!
إن خطورة المرحلة القادمة في نظر العقلاء ليست في اقتلاع صدام؛ لإبداله بصدام مناسب للهوى الأمريكي الجديد، إذ إن هذا الأمر لا يعدو كونه إفرازاً طبيعيا لمدخلات فاسدة لوثت الأمة، فأنتجت هذا الكم الهائل من الذل، لكن الخطر الحقيقي في هذه المرحلة هو في هذه القرارات التي تساق منذ زمن لتغير مجرى حياتنا كمجتمعات، فتقذف بنا من هوى سلطة لهوى سلطة أخرى دونما نظر لهذا الإنسان ( الغلبان ) ، الذي يلتحف الليل في زنازينهم. المعادلة الصعبة التي باتت أكثر انفعالا وإثارة هي الجريان المثير لسلسة غير محدودة ومتوالية غير مضبوطة من القرارات المصيرية دونما إدراك من المواطن الإنسان، وكذا انفلات عقال الهموم التي ترسلها قرارات الفوقية الحاكمة في أمتنا، والبركان الثائر أراه قد نثر أولى ثماره، تتلقفه الأيادي المسلمة في كل مكان وعيا بخطورة ما يقودنا إليه القائد العربي الذي استسلم تماما لكل ما تفرضه الشرعية الدولية، ونسي أن يرضخ لشرعية الله ودستور القرآن فينهل من معينه؛ ليغذي قراراته الفردية، وينضج قدرتها على الصمود في عالم تحكمه القوة والمصلحة والرغبة في المنافسة على زمام القيادة الحضارية للعالم .