طلعت رميح
10/11/1427هـ
منذ مدة استقر الكثير من المحللين السياسيين وكتاب الدراسات والأبحاث على وجود ثلاث قوى وثلاث مشروعات تتصارع على المستوى الاستراتيجي لإعادة ترتيب أوضاع الدول الإسلامية, وإحداث تغيرات ذات طابع حضاري شامل.
المشروع الأول: هو معلن عن نفسه بنفسه وهو المشروع الأمريكي لتغيير الشرق الأوسط, أو لتشكيل شرق أوسط جديد, خاضع للهيمنة الأمريكية المطلقة، وهو مشرع اعتمد لتنفيذه القوه العسكرية المباشرة، والقتال الحربي ضد الدول التي رفضت مسايرة المشروع كما هي حالتي العراق وأفغانستان، كما اعتمد نمط أو نظرية الفوضى البناءة في حالات أخرى أو ضد دول أخرى، ووفق أساليب متنوعة شملت عمليات الاغتيال لأحداث حالات من الاضطراب في بنى الدول، وضم شخصيات سياسية وفكرية وثقافية إلى خططها ومشروعها، وتربية وحماية شخصيات"شابة"جديدة لتغير اتجاهات الرأي العام كمكون وطني عام, وإيجاد جسور علاقات ومصالح مع قطاعات فئوية أو طائفية على حساب الأوطان، ولعزل"المكونات الوطنية"في كل بلد عن بعضها البعض، وأحداث حالات من التخلخل والتفكك داخل المجتمعات لتسهيل مهام الاختراق، وتطويع الإرادة والسيطرة، كما هي استخدمت مختلف أشكال الضغوط الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية على حكومات الدول لتغير توجهاتها، أو لتطويع إرادتها في إطار المشروع الأمريكي.
والمشروع الثاني هو المشروع الإيراني الذي هو مشروع يعلن عن نفسه بتصرفاته وسلوكه بأكثر مما يعلن عن نفسه من خلال مشروع استراتيجي متكامل (على مستوى الإعلام والطرح السياسي) ، كما هو على صعيد الإعلان عن نفسه قد اكتفى بإعلان رفضه ومقاومته للمشروع الأمريكي، وهو مشروع اعتمد القوة العسكرية على صعيدين: الأول هو إعداد الدولة الإيرانية ذاتها على المستوى العسكري لتتحول إلى قوة إقليمية مسيطرة (خاصة في ضوء خروج القوة العراقية من التوازن الاستراتيجي معها) ، والثاني: من خلال دعم ومساندة قوى وأحزاب وتيارات شيعية على المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية (منظمة بدر، ومقتدى الصدر في العراق، وحزب الله في لبنان، والهزارة في أفغانستان وغيرها) .
كما هو اعتمد على توريط"خصومه"في مشكلات في داخل المحيط الإيراني عبر تشجيعهم ودعمهم والتحالف معهم لإطاحة خصوم إيران في المحيط، ولإضعاف هؤلاء الخصوم أنفسهم، وجعلهم أضعف على صعيد المساومات مع الطرف الإيراني؛ فقد تحالفت إيران مع الولايات المتحدة وبريطانيا في العدوان على أفغانستان على مختلف الصعد، بما حقق لها إقصاء حركة طالبان في أفغانستان (والتي كانت طهران من قبل قد حشدت قواتها العسكرية لحربها قبل العدوان الأمريكي) ، والحكم في العراق بقيادة الرئيس العراقي صدام حسين الذي وقف في وجه مشروعها (هذا) والذي كان يحمل عند بدايته عنوان"تصدير الثروة", أو تصعيد حالة التشيع في المحيط.
وكذا هي اعتمدت استراتيجية سياسية وإعلاميه تقوم على"خلط الأوراق"و"التعتيم"على أهداف استراتيجيتها، وهى لذلك مارست نشاطاً إعلامياً وسياسياً متواتراً (قناة العالم - تصريحات أحمدي نجاد شبه اليومية تقريباً) .
والمشروع الثالث هو المشروع الثالث وسبب التسمية"هنا"لا يعود إلى عدم وضوح هويته ولكن بقصد التوضيح، حيث هو مشروع لا دولة تقوده أو تسانده (كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، وإيران في المشروعين الآخرين) ، كما هو مشروع واسع الأطياف، وبلا قياده مركزية، إذ تتعدد الجماعات والاتجاهات التي تدعو وتعمل من أجله (بلا اتفاق واضح بينها) ، وكذا لأن الأغلب على توصيفه هو أنه"مشروع مقاوم"، بما يشير إلى أنه يقاوم المشروعات الأخرى بالدرجة المهمة، وإن كان ذلك لا يعني أنه لا وضوح لديه - بهذه الدرجة أو تلك - على صعيد استراتيجيته في إعادة ترتيب المنطقة، إذ هو بالإجمال يدعو إلى البناء الإسلامي للمجتمعات، ولعودة الدولة الإسلامية كتعبير عن الأمة الإسلامية.
وهو يختلف عن المشروعات الأخرى في أن"تنوع"أساليب وصوله إلى أهدافه هي حالة ترتبط برؤية كل جماعة - لا ضمن خطة واحدة كما هو الحال في المشروعات الأخرى -، إذ تعتمد"القاعدة"على الأعمال العسكرية (وهي تختلف معها في نشاطها، وسبل تحقيق أهدافها مجموعات أخرى كثيرة) ، وكذا هي تمارس نشاطاً إعلامياً واسعاً (على عكس تيارات أخرى) ، بينما هي لا تمارس"العمل السياسي"كما هو معتاد أو وفق ما هو متعارف عليه (عند جماعات أخرى) ، كما تعتمد حركات وجماعات أخرى أساليب"الدعوة"و"النشاط السياسي" (نموذج حركة الإخوان المسلمون بكل أطيافها) .. إلخ.