فهرس الكتاب

الصفحة 21846 من 27364

[الكاتب: حسن الحسن]

يتساءل البعض؛ أوليست الديمقراطية هي التي أمنت الرقي والاستقرار في الغرب؟! أوليست تلك القيم هي غاية ما يسعى لتحقيقه البشر؟! أوليس من الغباء أن نترك مجتمعاتنا طريحة التخلف والاضطراب يعبث بها حكامٌ فاسدون ومفتون منافقون، بينما نستطيع أن نسمو بها من خلال الديمقراطية؟!

والجواب هو...

لا شكّ بأن الغرب قد حقق تقدماً ملحوظاً في المجال السياسي والاقتصادي، وقد وضع أسساً تتسم بالاستقرار عموماً في هذين المجالين، كما أنّه متفوقٌ مادياً على العالم الإسلامي بشكلٍ واضحٍِ لا ينكره أحد.

إلا أنّ المغالطة الكبرى الواقعة في البحث هي ربط تلك النهضة التي يحياها الغرب بتحقق الديمقراطية فيه، كما أنّ المغالطة الأكبر هي ربط الواقع المأساوي البشع الذي تحياه الأمة الإسلامية بالإسلام.

فبإطلالةٍ سريعةٍ على تاريخ الغرب الديمقراطي يظهر النقيض من ذلك الادعاء، حيث غرقت أوروبا الديمقراطية في عدة صراعاتٍ دمويةٍ طاحنةٍ، وكانت الحربان العالميتان أشنع ما أنتجت تلك الديمقراطيات من حروب على مر التاريخ.

ويتضح من خلال تتبع أحوال الغرب عموماً أن الخيار الديمقراطي لم يكن دوماً هو الأسلم أو الأكثر ضماناً للأمن والاستقرار، ويكفي التذكير بأنّ هتلر وموسوليني وبوش إنما أوصلهم النظام الديمقراطي إلى كرسي الحكم، مع أنّ برامج هؤلاء كانت تقوم على فكرة إبادة الخصوم وتحطيم الآخرين والحرب الوقائية، بغية تحقيق أهدافٍ نفعيةٍ أو عصبيةٍ عنصريةٍ وأخرى هشةٍ وتافهةٍ في مجملها.

ومن الجدير ذكره أن تلك الحالات لم تكن نشازاً في الغرب الديمقراطي، إذ طالما نشأت صراعاتٌ داميةٌ بين القوى المختلفة فيه.

أضف إلى ذلك أن دول الغرب الديمقراطية عموماً مارست ومازالت تمارس الاستعمار بأبشع أشكاله بحق الشعوب المغلوبة على أمرها، كما هو الحال الواقع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مما يضع علامات استفهامٍ حول ماهية معنى التغول الديمقراطي الذي يطلق العنان للإنسان للإطباق على أخيه الإنسان، ضمن قوانين يسنها ويتحكم بها الأقوى للسيطرة على الأضعف، مزيناً إياها بوضعها في خانة عولمة قيمه الخاصة تحت عنوان القيم الإنسانية المطلقة، مستعملاً إمكانياته الضخمة وآليات الاتصال الحديثة لتحقيقها، معتبراً أن قوته تمنحه الحق بفرض هيمنته وتصوراته على الآخرين، ليس لإنهاضهم وتحريرهم إنما من أجل استغلالهم واستعبادهم، وهذا مشاهدٌ على مدار قرون من الزمان،وما زال قائماً محسوساً في أيامنا هذه.

وما حلّ بالعالم الإسلامي جراء تحكم الغرب الديمقراطي فيه إلا نماذج ساطعة على ذلك، فها هي مأساة أهل فلسطين ماثلة للعيان، وقد صنعتها لهم بريطانيا العظمى أهم وأقدم ديمقراطية موجودة في العالم الحالي، إضافة إلى جريمة تقسيم بلاد المسلمين التي دبرت بمكيدة فرنسية بريطانية صرفة، وبالسيطرة على ثروات الأمة الإسلامية ونهبها وتنصيب أتباعهم الخلص لهم عليها من حكامٍ تربأ وحوش الغاب أن تتشبه بهم، بل ودعمهم معنوياً ومادياً وسياسياً بكل ما يلزم لشل الأمة الإسلامية ولشد القيد على معصميها وإرغامها على التقوقع والانكفاء عن حركة النهضة والارتقاء.

فهذه نماذج لا يمكن أن تخطئها العين أو تنساها الذاكرة مما أنتجته الديمقراطية الغربية في العالم ككل وفي العالم الإسلامي بشكلٍ خاص.

ثم هذه إفريقيا تكاد لا تزال تعيش القرون البدائية بعد حوالي قرنين من الاستعمار والاستعباد. بينما نجد في المقابل أن الإسلام دخل الأندلس لينقلها في عقود معدودة الى مستويات تعدل مستوى بلاد الفاتحين أنفسهم ، بل تفوقه في بعض جوانب الحياة. فأين الثرى من الثريا؟

وبوضع فكرة الديمقراطية ومقتضياتها في سياقها الطبيعي والمنطقي الذي يحكمها من خلال معطيات الفكرة نفسها، نجد أنّ فكرة تقديس الإنسان لنفسه ورغباته وجعله الحكم والحاكم على الأفعال والأشياء بالخير والشر والحق والباطل والمحظور والمسموح، إنما تعزز لا محالة عند صاحبها الناحية الفردية، فتسيطر عليه الأنانية وتجعله يرى العالم ويتعاطى معه من زاوية واحدة معينة هي مصلحته فقط، مما يعلي عنده القيمة المادية على غيرها من القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية فتهيمن عليها تدريجياً إلى أن تسحقها، لأن الأصل لديه هو تحقيق أكبر قدرٍ من السعادة التي يتصورها لنفسه، بمعزلٍ عن تلك القيم، التي قد تستغل بدورها في تحقيق طموحه ورغباته، مما يطلق العنان للغريزة لإشباعها إلى حد التخمة، ويتحول العقل إلى مجرد أداة تستعمل في استثمار كل شيء لتحقيق أكبر قدرٍ من اللذة، حيث تساوي هذه لديه السعادة الوحيدة ذات المعنى المبرر عقلاً.

ولا يغير من هذه النتيجة شيئاً أن يشرّع للناس مجموعة منتَخَبة من بينهم، لأن فكرة المنفعة القائمة على تحقيق القيمة المادية الخالصة هي المُشَكٍّلَة لمفاهيمهم والمسيطرة على إرادتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت