فهرس الكتاب

الصفحة 8210 من 27364

عمان / عاطف الجولاني * 14/7/1427

ما إن أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قبل أيام عن رغبة الولايات المتحدة بإنشاء شرق أوسط جديد، حتى راح البعض يطرحون تصورات وسيناريوهات متوقعة لهذا الشرق أوسط الأمريكي الجديد الذي يرغب بوش بإقامته في المنطقة.

بعض المتعجلين تحدثوا عن خرائط جغرافية جديدة، تُقسّم دول المنطقة بموجبها على أسس طائفية وعرقية، ويُعاد رسم الحدود بين الدول العربية والإسلامية، بحيث تتوسع دول على حساب أخرى، وتنشأ دول جديدة ليست قائمة الآن (كردستان، بلوشستان، دولة العراق العربي السني، دولة العراق العربي الشيعي، دولة دينية في السعودية...) .

البعض الآخر راح يرسم خرائط سياسية جديدة للمنطقة، تقوم على أساس الإجهاز على حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، وتعزيز مكانة إسرائيل كدولة مركز قوية ومهيمنة في النظام الإقليمي الجديد، وإثارة الخلافات الطائفية والعرقية والمذهبية، وإضعاف الكيانات العربية لتتحول إلى مجرد أحجار تُحرّك وفق الرغبة الأمريكية على رقعة الشطرنج.

فهل نحن أمام مشروع (سايكس بيكو) أمريكي جديد بالفعل هذه الأيام؟ وهل تبدأ أمريكا، الآن فقط، بإنشاء نظامها الشرق أوسطي الجديد في المنطقة؟ وبماذا يختلف عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته في الأعوام الماضية؟ ولِمَ اختارت رايس أجواء التصعيد والعدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين لتبشّر بالنظام الإقليمي الجديد؟ وهل الطريق ممهدة أمام ولادة مثل هذا الشرق أوسط الأمريكي الجديد، أم أن دونه الكثير من العقبات والتحديات؟

ليس جديداً

كحال كل القوى العظمى التي ترى أن من حقها ترتيب الأوضاع الدولية بما يخدم مصالحها، ويحقق أهدافها في السيطرة والتحكم وبسط النفوذ، لم تتوان الولايات المتحدة الأمريكية طيلة العقود السابقة عن العمل على صياغة الخرائط الجغرافية والسياسية في المنطقة العربية وغيرها من مناطق العالم بما يتفق مع رغباتها ومصالحها. وحين شعرت بعد أحداث 11 سبتمبر بالحاجة لإعادة رسم صورة المشهد الإقليمي في المنطقة، لم تكتف بالإعلان عن نواياها وخططها، بل حركت جيوشها وآلتها العسكرية لتنفيذ تلك الخطط، وأعلنت صراحة عزمها على إقامة نظام إقليمي جديد، يتناسب ومعطيات المرحلة الجديدة التي جعلت عنوانها الحرب على الإرهاب.

فبدأت بتغيير الخريطة السياسية في أفغانستان، وأسقطت نظام طالبان، وأقامت نظام حكم تابعاً لها، وانتقلت في الفصل الثاني من مخططها إلى العراق، فاحتلت أرضه وغيّرت نظامه السياسي، ولو قُدّر لمخططها النجاح في هذه المحطة، لربما كنا شهدنا خلال الأعوام الثلاثة الماضية فصولاً أخرى من المشروع الذي أرادت تنفيذه في المنطقة. فقد كان يجري الحديث عن نوايا أمريكية لإحداث تغييرات سياسية وجغرافية واسعة على الوضع في سوريا وإيران ومصر والسعودية ودول أخرى.

الشعار الذي رفعته إدارة المحافظين الجدد في حينه لتسويق مشروعها الاستعماري الجديد وإضفاء نوع من الشرعية والأخلاقية عليه، هو نشر الحرية والإصلاح في المنطقة، وإقامة نظام شرق أوسطي ديموقراطي كبير خال من القمع والاستبداد والفساد. وزعمت إدارة الرئيس بوش أن عدوانها على العراق واحتلالها لأرضه، يهدف إلى نشر الحرية فيه، وتخليص العراقيين من نظام استبدادي تسلطي، وتقديم نموذج للمنطقة لمواصفات الحكم الرشيد والصالح الذي تنوي أمريكا تعميمه في المنطقة.

غير أن الأداء البطولي للمقاومة العراقية، والذي لم يكن في حسبان أصحاب القرار في إدارة صقور البيت الأبيض، أربك المخطط الاستعماري الأمريكي الجديد، وأغرق الولايات المتحدة في مستنقعات العراق التي استوعبت الاندفاعة الأمريكية، وعطّلت فصول المخطط اللاحقة. كما أن النموذج الذي قدمته أمريكا للديموقراطية والإصلاح ونظام الحكم الرشيد في العراق، جاء نموذجاً مسخاً ومشوّهاً، يغيب عنه الأمن، ويسود فيه القتل والفوضى، وتسيطر عليه الصراعات الطائفية والعرقية. وهو ما أفقد المشروع والأمريكي كل مسوّغاته الأخلاقية والسياسية.

لكن تعثر المشروع الأمريكي في محطة العراق لم يوقف سعي أمريكا لمحاولة تنفيذ ما أمكن من مخططها، وإن كانت اضطرت لإجراء تغييرات على كثير من تفصيلاته. وعوضاً عن شعارات الإصلاح ونشر الحرية والديموقراطية، اعتمدت آلية جديدة تقوم على أساس التهديد والتلويح بفرض الحصار السياسي والاقتصادي، وإثارة الفتن الطائفية والعرقية، واستهداف حركات المقاومة الشعبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت