فقد مارست ضغوطاً مشددة على سوريا ولبنان، مستغلة حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، مما أسفر عن سحب القوات السورية من لبنان وسيطرة حلفاء أمريكا من جماعة 14 آذار على الحكومة اللبنانية الحالية. كما شهد لبنان خلال الشهور الماضية - بدفع واضح من الإدارة الأمريكية - تعبئة طائفية واسعة النطاق، بخاصة بين الشيعة والسنّة. وهي ذات السياسة التي اعتمدتها أمريكا في العراق بعد إخفاق مشروعها العسكري؛ إذ لجأت لتغذية النزاعات الطائفية بين الشيعة والسنّة، وقامت بعملية تحريض طائفي واسعة قادت في نهاية المطاف إلى عمليات قتل متبادلة تشهدها مدن العراق بصورة يومية.
أما في إيران فاختارت الإدارة الأمريكية ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية مشدّدة على إيران للتراجع عن ملفها النووي، وسعت لحشد تأييد دولي واسع وراء موقفها، لا سيما في أوروبا التي أظهرت غالبية دولها استعداداً للتساوق مع التوجهات الأمريكية حيال الملف النووي الإيراني.
حركات المقاومة تعرضت هي الأخرى لحصار شديد وضغوط متواصلة. حيث تعرض حزب الله إلى حملة واسعة النطاق استهدفت عزله سياسياً ونزع سلاحه. وتعرضت حركة حماس وحكومتها الفلسطينية إلى حصار خانق من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربية، بهدف إسقاط حكومتها، وإجهاض تجربتها في مهدها.
نجاح صغير .. و إخفاقات بالجملة
وعند تقييم النتائج التي حققها المشروع الأمريكي بنسخته الأصلية والمعدّلة، يتضح أنه حقق إنجازات محدودة، مقابل إخفاقات كبيرة واجهها في أكثر من محطة وموقع.
فإضافة إلى إخفاقه الكبير في العراق، فإن سياسة الضغوط والتهديد لم تنجح في دفع إيران وسوريا ولبنان للإذعان للرغبات الأمريكية. فإيران من جانبها تحدّت الضغوط الأمريكية والدولية وأعلنت صراحة عن انضمامها للنادي النووي وقيامها فعلياً بتخصيب اليورانيوم. وسوريا نجحت هي الأخرى في احتواء الضغوط الأمريكية وتشهد الآن وضعاً سياسياً مريحاً نسبيا .
وحزب الله الذي سعت الإدارة الأمريكية إلى تحجيمه سياسياً وعسكرياً ومصادرة سلاحه عبر قرار مجلس الأمن رقم 1559، استطاع تجاوز الضغوط الأمريكية واستحقاقات قرار مجلس الأمن، وانتقل من موقع الدفاع وردّ الفعل إلى موقع الفعل والمبادرة. نفس الأمر ينطبق على حركة حماس وحكومتها التي نجحت في الموائمة بين متطلبات الحكم والمقاومة، واستطاعت فرض معادلة سياسية جديدة.
أفغانستان هي الأخرى تشهد منذ شهور تصعيداً عسكرياً غير مسبوق ضد القوات الأمريكية والمتحالفة معها، بحيث أضحت 'عراقاً آخر' تغرق أمريكا في مستنقعاته وتتكبد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات بشكل يومي . وبصورة فاجأت الجميع، دخلت الصومال بقوة على المشهد، لتعلن عن إخفاق جديد للسياسة الأمريكية في منطقة القرن الإفريقي ؛ إذ أخفق حلفاؤها من أمراء الحرب في المحافظة على مواقعهم، فضلاً عن التقدم على حساب المحاكم الشرعية التي استطاعت بسط سيطرتها على معظم الأراضي الصومالية.
عنوان كبير آخر لإخفاق السياسة الأمريكية في المنطقة، تمثل بنتائج الانتخابات في فلسطين ومصر ودول عربية أخرى تقدمت فيها الحركات الإسلامية بصورة كبيرة دفعت أمريكا للتوقف كلياً عن دعوات الديموقراطية والإصلاح في المنطقة، بعد أن تبين لها أن المستفيد الأكبر من انتخابات نزيهة أو شبه نزيهة، ستكون الحركات الإسلامية غير المرغوبة أمريكياً، والتي تعدها واشنطن بديلاً سيئاً عن أنظمة الفساد والاستبداد الموجودة في المنطقة.
وإضافة إلى تعدد الجبهات المشتعلة التي باتت واشنطن عاجزة عن التعامل معها، تكبّدت الولايات المتحدة الأمريكية خسائر كبيرة في الجانب القيمي والحضاري، وأضحت صورتها الأخلاقية كالحة وسلبية بعد فضائحها في سجون أبي غريب وغوانتانمو، وفظائعها وجرائمها في مدن حديثة والإسحاقي والفلوجة، وعمليات النقل السري للمعتقلين إلى مراكز تعذيب متعددة في العالم، فضلاً عن التراجعات الخطيرة في مجال الحريات الشخصية داخل أمريكا ذاتها بحجة الحرب المعلنة على الإرهاب والهواجس الأمنية.
لماذا الآن؟
في ظل الإخفاقات الأمريكية، بدأت تُطرح الكثير من التساؤلات حول مصير 'الفوضى الخلاقة أو البناءة' التي تحدثت عنها رايس واعتبرتها مدخلاً لإعادة صياغة النظام الإقليمي في المنطقة، وبات الكثيرون يعتقدون أن 'الشرق أوسط الكبير' الذي بشّر به بوش تحول إلى مجرد شعار.
والسؤال: هل المعطيات القائمة حالياً تتيح للإدارة الأمريكية تنفيذ مشروعها الشرق أوسطي الجديد الذي تبشّر به رايس؟ أم أنه سيتحول هو الآخر إلى مجرد شعار كبقية الشعارات التي طُرحت في الفترة الماضية، وتهاوت أمام حقائق الواقع؟ وإن كان الأمر كذلك فما هي أسباب اختيار التوقيت الحالي للحديث عن الشرق أوسط الجديد؟
في المشهد السياسي القائم حالياً، يمكن قراءة المعطيات التالية:
* المشروع الأمريكي فاشل ومأزوم، ويظهر الكثير من التخبط والارتباك. وبعض الأطراف الدولية التي قبلت في فترات سابقة بأدوار سياسية هامشية في