فهرس الكتاب

الصفحة 7744 من 27364

إسلام مصطفى

كان تنفيذ الرئيس الأمريكي جورج بوش قراره بغزو العراق في مارس 2003 نقطة الانطلاق نحو إعادة احتلال ليس فقط الأراضي العراقية - كما هو حاصل الآن - وإنما احتلال أو لنقل إعادة احتلال الأراضي العربية في مجملها، وربما يضم أيضاً أراضى لدول إسلامية أخرى أصبحت شوكة في ظهر الإدارة الأمريكية تود الخلاص منها، كما كان ذلك نقطة انطلاق نحو تمكين الكيان الصهيوني من بسط إرادته ونفوذه على ثروات العرب، وذلك فيما كشف عنه بوش مؤخراً في رغبة أميركا في إقامة ما أسماه بـ"الشرق الأوسط الكبير"، واتخذت هذه الرغبة شكل (المبادرة) التي لا هدف لها - كما يدعى بوش - سوى إحداث نقلة نوعية لمنطقة الشرق الأوسط للانتقال من عهود الديكتاتورية إلى عصور الحرية والديمقراطية وهو الشق الأول لمبادرة بوش، وكذلك تمكين الشعوب من التحكم في ثروات بلادها وهو ما يسميه بالرخاء الاقتصادي للمنطقة وهذا هو الشق الثاني في مبادرته.

بوش يمهد للمبادرة:

في بادئ الأمر حاول بوش التمهيد لطرح الأفكار الأمريكية المجهزة لمنطقة الشرق الأوسط مسبقاً فقال: إن المنطقة بحاجة إلى إجراء تغييرات جذرية، وإن الإدارة الأمريكية ستقوم بذلك لتحويل المنطقة إلى منطقة فعالة تساهم في بناء الحضارة المعاصرة، وحتى يحدث ذلك لابد من تغيير شقين أولهما: تغيير الأنظمة الديكتاتورية في البلاد العربية، وإجراء إصلاحات سياسية في البلاد الأخرى لتدعيم أسس الديمقراطية، وثانيها: تحقيق الرخاء الاقتصادي لشعوب المنطقة التي عانت الكثير من سيطرة طبقة فاسدة على ثروات بلادهم، حتى أن وزير خارجية أميركا لم يُخف ذلك، وقال صراحة في أحد المؤتمرات - التي عقدت لتبرير الحرب على العراق - إننا نهدف إلى تغيير خريطة منطقة الشرق الأوسط.

ثم لم يلبث أن أصبح الأمر جدياً ولم يعد بحاجة إلى التريث والتمهيد، فانتخابات الرئاسة الأمريكية لم يبق على إجرائها سوى بضعة أشهر، وكان إعلان الرئيس الأمريكي في خطاب له عن نيته في إقامة منطقة تجارة حرة أمريكية شرق أوسطية تضم (الكيان الصهيوني، البلاد العربية، إيران، أفغانستان، وباكستان) ، ولذلك سميت منطقة تجارة حرة شرق أوسطية وليست عربية خالصة لتضم في ذلك الدول التي ترغب أميركا في إدخالها الحظيرة الأمريكية الكبرى، كما أنها ليست عربية أيضاً لتضم الكيان الصهيوني ولتفرضه على البلاد العربية، وعدد بوش الفوائد التي ستجنيها الدول العربية من إقامة مثل تلك المنطقة التجارية الحرة من تبادل للسلع، ورفع الحواجز الجمركية على واردات البلاد العربية وهكذا، وبالفعل هللت الدول العربية فرحاً بهذا الاقتراح، كما أن الأوساط السياسية لدى الكيان الصهيوني لم تصدق أن الحلم بدأ يأخذ طريقه للتحقيق بأيدي حليفتها الكبرى أميركا، إلا أن بوش لم يقنع بذلك، وبدأ يخطط لإعلان الرغبة الأمريكية المسلحة وهى تغيير خريطة الشرق الأوسط اقتصاديا وسياسياً، وزادت الضغوط بسبب قرب انتخابات الرئاسة الأمريكية ما جعله يعلنها على الملأ برغبة أميركا في إقامة ما يسمى بـ"الشرق الأوسط الكبير"وهو الحلم المشترك الأكبر للصديقتين أميركا وإسرائيل وذلك عن طريق إقناع الدول الكبرى التي تمثل الدول الصناعية الكبرى في العالم - وهم سبع دول - بضرورة الاتفاق على التكاتف من أجل إجراء هذا التغيير في المنطقة، وإقامة الكيان الجديد، وقرر بوش أن يقنع زعماء الدول الصناعية الكبرى بالرغبة الأمريكية وذلك في اجتماع تحتضنه أميركا في يونيو المقبل في إحدى الولايات الكبرى.

تقرير التنمية البشرية:

استند بوش في البناء الدرامي لمبادرته إلى تقرير التنمية الإنسانية لعامي 2002، 2003 والخاص بالعالم العربي، لكنه اختار - بلا شك - منه ما يناسب مبادرته، ومع أن تقرير التنمية - الذي تصدره الأمم المتحدة - يشير إلى أن الاحتلال الصهيوني عائق أساسي أمام التنمية في العالم العربي، إلا أن المخطط الأمريكي عمد إلى إغفال هذه النقطة في طرحه للمبادرة، ولعل بوش حين بدأ خطابه الخاص بإعلان المبادرة أراد أن يمارس دوراً كبيراً يمثل من خلاله دور الساحر الذي بعصاته السحرية يستطيع إنقاذ العالم من المعضلات المهنية التي يغرق فيها، فقال: إن مجموع الإنتاج المحلى الإجمالي لكل البلدان العربية أقل مما هو في أسبانيا، واستخدام شعوبها للإنترنت أقل من استعمال شعوب أفريقيا الواقعة إلى جنوبي الصحراء"، ثم استدرك قائلاً:"إلا أن للعالم العربي تقاليد حضارية عظيمة لكنها مفقودة في مجال التقدم الاقتصادي"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت