أ.د. جعفر شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 166، جمادى الآخرة 1422هـ الموافق سبتمبر 2001هـ
قال الأول لصاحبه: إنه من حسنات البلاد الديمقراطية العلمانية أنها تعاملنا من حيث الدين معاملة أحسن من معاملتنا لها. من أمثلة ذلك أنهم يسمحون لنا بأن نبني المساجد ونقيم فيها الصلوات، ويسمحون لنا بحرية الدعوة إلى الإسلام بينما لا نسمح نحن لهم بشيء من ذلك في بلادنا
قال الثاني: إنّ ما ذكرته عنّا ليس بصحيح على إطلاقه؛ ففي العالم العربي والإسلامي نصارى يمارسون دينهم في كنائسهم وبِيَعِهم في حرّية كاملة. ألم تزر بلاداً مثل مصر والسودان؟
قال الأول: ولكن ماذا عن السعودية؟
الثاني: للسعودية وضع خاص؛ فهي جزء من الجزيرة التي أمر الرسو صلى الله عليه وسلم أن لا يكون فيها دين غير الإسلام. وينبغي أن لا يكون هذا أمراً غريباً حتى على الدول الغربية التي أراك تدافع عنها
الأول: ماذا تعني؟
الثاني: ألم تسمع ببلد اسمه الفاتيكان؟ هل تجد فيه من مساجد أو دور للعبادة غير دور الكاثوليك؟
الأول: كلا.
الثاني: الأمر الثاني الذي كنت أود أن أُنبهك إليه هو أنهم لا يسمحون لنا بما يسمحون بدافع الإحسان إلينا، أو مجاملةً لنا كما يظن بعض الذين لا يعلمون، وإلاّ لقالوا لنا: إمّا أن تسمحوا لنا بما نسمح به لكم وإلاّ منعناكم كما تمنعوننا.
الأول: هذا ما كنت أظنهم فاعليه، وقد ازداد تقديري لهم إذ لم يفعلوه.
الثاني: إنّ ما يسمحون لنا به من قدر من الحرّية الدينية هو أمر يسمحون به لكل صاحب معتقد مُصدِّقاً بوجود الخالق أو مُنكراً لوجوده، مؤمناً كان أم مشركاً، عابد وثن أو عابد بشر. وكما يسمحون بِهذا القدر من الحرّية الفكرية فإنَّهم يسمحون بقدر مثله أو أكبر منه لدعاة الرذيلة من الشواذ والزناة وراسمي الصور الفاضحة. يفعلون كل هذا؛ لأنهم يرونه في مصلحة بلادهم بحسب تصورهم للحرية. وأمّا الأمر الثالث فهو أنهم يستعملون قوانينهم كثيراً ليحدوا من هذه الحرية سواء لزائريهم من البلاد الإسلامية أو القاطنين فيها.
الأول: أوافقك. ولكن ألا ترى مع ذلك أنّ نظامهم خير من نظامنا من حيث أنّ القدر الذي يسمح به من الحرية أكبر مما نسمح به نحن؟
الثاني: كلا لست أرى ما ترى؛ لأن الحريات لا تُقاس كميّاً، وإلاّ لكان أحسن النظم هو الذي يترك الناس سدى لا يأمر أحدهم بشيء ولا ينهاه عن شيء ألبتة.
الأول: بِمَ تُقاس إذن؟
الثاني: تقاس بمدى نفعها وضررها. فالنهي عن السرقة هو حد من الحرية، لكنه حد مفيد. أما النهي عن أكل السمك مثلاً فهو حد لا فائدة فيه، بل قد يكون ضرره بالغاً بالنسبة لبعض الناس. ولذلك وصف النواهي الإسلامية بأنها حدودٌ إذا تجاوزها الإنسان وقع فيما يضره. وبإمكانك أن تتصورها كالحدود التي توضع على جانبي الجسر؛ فهي أيضاً تحد من حرية السائر أو السائق، لكها مفيدة له؛ لأنها تمنعه من الوقوع في البحر أو الهوي في واد سحيق.
الأول: لا شك في ذلك. لكن من الذي يصدر هذه القوانين التي تُحِلّ وتُحَرِّم؟ إن النظام الديمقراطي يكل ذلك للناس؛ فهم الذين يحددون ما يُصلحهم وما يضرهم في حرية كاملة. أما النظم الدينية، ومنها النظام الإسلامي، فإنها لا تعطي الناس هذه الحرية، بل تكل الأمر إلى الدين.
الثاني: أتعني أنّ كل قانون يُحِلّ أو يُحَرِّم يصدر بإجماع الناس؟
الأول: كلا؛ فأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك، وإنما الذي يُصدِره هم غالبية الناس.
الثاني: لكن غالبية الناس ليست هي التي تصدر القوانين في البلاد الديمقراطية العلمانية، وإنما الذي يصدرها هو المجالس التشريعية.
الأول: نعم! لكن هذه المجالس تتكون من أفراد اختارهم الناس بالأغلبية؛ فهم يعبرون عن أفكارهم.
الثاني: تعني أنهم يعبرون عن أفكار من صوَّتَ لهم.
الأول: لكن يستحيل واقعاً أن يكون الأمر على غير ذلك.
الثاني: نعم! ولكنك تعلم أيضاً أنه حتى قولنا بأنهم يعبرون عن رأي الأغلبية التي انتخبتهم ليس بصحيح؛ لأن هذه الأغلبية لا تُستَشار. ولو استُشيرت لما كان لأغلبيتها رأي في غالبية القوانين؛ لأنها تحتاج إلى معرفة لا تتوفر لهم.
الأول: لكن تبقى مع ذلك الحقيقة بأن هؤلاء قوم رضيهم الناس حكّاماً لهم، وأوكلوا إليهم إصدار ما يرونه مناسباً من القوانين.
الثاني: إذن؛ فالناس في البلاد الديمقراطية العلمانية رضوا بأن يكون المشرعون لهم بشراً مثلهم.
الأول: أجل! وهذا ما يمتازون به.
الثاني: واشترطوا عليهم أن تكون تشريعاتهم في إطار الدستور، ولم يتركوهم أحراراً يشرعون ما شاءوا.
الأول: نعم! لأن الاستقرار السياسي لا يتوفر إلا بشيء كهذا.
الثاني: ما الفرق بيننا وبينهم؟ نحن أيضاً يمكن أن تكون لنا مجالس تشريعية يختار الناس أعضاءها ويعطونهم حق التشريع على شرط أن لا يكون مخالفاً للقانون الأعلى للبلاد الذي يسمى دستوراً. والذي هو بالنسبة لنا كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم .
الأول: لكن دستورهم هو نفسه مِن وَضعِهم، وبإمكانهم أن يُغيِّروا فيه ما شاءوا.