فهرس الكتاب

الصفحة 5536 من 27364

الثاني: لكن دستورهم أيضاً يتضمن مواد كتلك المتعلقة بما يسمونه حقوق الإنسان ليس لأحد أن يغيرها.

الأول: نعم! لأن هذه الحقوق لكل إنسان بما هو إنسان، فلا يجوز لأحد أن يجور عليها.

الثاني: من الذي أعطاه هذه المكانة؟ وعلى كلّ فأنا لا أريد أن نخرج عن موضوعنا لنتحدث عن حقوق الإنسان، فلعلنا نفعل ذلك في مناسبة أخرى. فلنعد إلى موضوعنا إذن!

الأول: حسن.

الثاني: أردت أن أقول لك إنه ليس لهم علينا فضل في كون دستورهم من اختراعهم؛ لأنهم إذا كانوا هم بمحض اختيارهم رأوا أنه من مصلحتهم أن يشرِّع لهم بشر مثلهم؛ فنحن أيضاً فكَّرنا لأنفسنا ورأينا أنه من مصلحتنا أن نرضى بما شرعه لنا ربنا الذي خلقنا، والذي هو أعلم منا بما هو مُفسِد أو مُصلِح لنا، والذي هو رحيم بنا لا يأمرنا إلا بما ينفعنا، ولا ينهانا إلا عما فيه ضرر علينا. لا فرق إذن بيننا وبينهم من حيث مبدأ الاختيار. فكما أنهم اختاروا بحريتهم، فنحن كذلك اخترنا بحريتنا، ولم يجبرنا ربّنا على الرضى بما شرع لنا، وإنما ترك الأمر لنا نحن البشر (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ) [سورة الكهف: 29] ، ونحن اخترنا بتوفيق من ربنا أن نؤمن. فلا فضل لهم علينا إذن من حيث مبدأ حرية الاختيار، وإنما الفضل لنا نحن الذين أرانا الله الحق حقاً ووفقنا لاتّباعه.

الأول: لكن الذي اخترتموه دين، والناس يختلفون في أديانهم، ومجتمعاتنا المعاصرة متعددة الأديان، ولا بدّ لكل مواطن فيها من أن تكون له حقوق مساوية لغيره بغض النظر عن دينه.

الثاني: فكيف حلّت العلمانية هذا الإشكال؟

الأول: حلته حلاً يسيراً، هو أن تُقصَى الأديان عن الحكم حتى يكون لكل مواطن الحق في أن يتقلد أي منصب سياسي من رئاسة الدولة إلى ما دونها مهما كان دينه أو اعتقاده

الثاني: ونحن أيضاً نفعل ما فعلوا: نقصي كل الأديان - عدا الإسلام - عن الحكم، وكما

الأول: - مقاطعاً: لكنهم أقصوها كلها ولم يستثنوا منها أحداً كما تفعلون.

الثاني:تعني أنهم أقصوها كلها ما عدا الدين العلماني.

الأول: ولكن العلمانية ليست ديناً.

الثاني: أجل! إنها والله لدين بمفهومنا العربي الإسلامي، لكنها شرّ دين.

الأول: ماذا تعني؟

الثاني: أعني أنّ الدين عندنا هو كل أمر يدين به الناس ويعتادونه ويمارسونه في أي جانب من جوانب حياتهم المادية والروحية سواء كان من عند ربهم أو كان من اختراعهم. ألم تسمع قول الشاعر العربي عن ناقته التي اجهدها بكثرة الترحال:

إذا ما قمت أُرحِلها بليلٍ تَأَوَّه آهَةَ الرجلِ الحزينِ

تقول إذا شددت لها وضيني: أهذا دينه أبداً وديني؟

أكل الدهر حِلّ وارتحالٌ أما يُبقي عليّ وما يقيني؟

الأول: لكنك تعلم أنّ الشاعر استعمل الدين هنا بمعنى العادة؛ فما علاقة ذلك بأنظمة الحكم؟

الثاني: لا جدل في أنه استعمله بمعنى العادة؛ ولكن ألا ترى أنه إذا كان اعتياد الحِل والترحال وهو أمر واحد في حياة رجل وناقته يسمى ديناً، فمن باب أولى أن يسمى كذلك اعتياد ما كان أشمل نطاقاً وأكثر عدداً. ثم إن القرآن الكريم استعمل الدين بهذا المعنى العربي، ألم تسمع قول الله - تعالى - عن يوسف وأخيه: (( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ) ) [سورة يوسف: 76] ، فالمقصود بالدين هنا ما نسميه الآن بالقانون. وفي القرآن الكريم أيضاً يطلق الدين على الهدي الذي أنزله الله - تعالى - وأرسل به رسوله، كما يطلق على ما يدين به الناس في الواقع سواء كان موافقاً لذلك الدين الحق أو مخالفاً له. يبين لك ذلك بوضوح حديث الرسو صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فيه أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها؛ فالدين الذي يُجَدَد هو ما يدين به الناس. أما الدين النازل من السماء فلا يحتاج إلى تجديد؛ لأنه لا يَخْلَق. وتجديد ما يدين به الناس هو جعله موافقاً للدين الحق

الأول: هذا تفسير غريب للدين، وهو مخالف لما اصطلح عليه الناس، ولا سيما في البلاد الغربية العلمانية التي هي موضوع حديثنا.

الثاني: لكن هل من الإنصاف أن يكون النقاش دائماً وفق تصوراتهم ومصطلحاتهم؟ لماذا لا نُفهِمُهُم أنّ هنالك اختلافاً بيننا حتى في تصورنا للدين؟ على كلّ أنا لا أريد للحوار أن يتحول إلى جدل عن الألفاظ. المهم أن تتضح المعاني؛ وإذا اتضحت فلا مشاحّة في الألفاظ. ألا يمكن أن نترك كلمة الدين ونستعمل بدلاً عنها كلمة تنطبق على العلمانية وما يسمونه هم ديناً؟ ما رأيك في عبارة منهاج الحياة؟

الأول: لا بأس بها.

الثاني: أرجوا أن يتضح لنا من استعمالها أن القول بأن النظام العلماني نظام محايد بين الأديان إنما هو خرافة راجت على كثير من الناس.

الأول: أظنني من المصدقين بهذه الخرافة؛ فهلاّ أوضحت لنا يا سيدي المنكر للخرافة دليلك على كونها خرافة؟

الثاني: هب أننا قلنا لإنسان منصف: إن هنالك نظامين (أ) و (ع) وأعطيناه الجدول الآتي:

النظام أ

النظام ع

إن الحكم إلاّ لله

إن الحكم إلاّ للشعب

يباح للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع

لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة

يأخذ الورثة حقهم أوصى بذلك المُورِّث أم لم يوص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت