في كل مرة ينعقد مؤتمر أو لقاء يتعلق بالعولمة يستثير ذلك مظاهرات الاحتجاج، سواء على هامش أعمال صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو المنتدى الاقتصادي السنوي في دافوس ـ سويسرا أو كما جري مؤخرًا خلال انعقاد كوبيك. الأمر الذي يدعو إلى تأمل أسبابه مظاهرات الاحتجاج رفعت أهمية البحث عن إجابة على السؤال الآتي: هل تساعد العولمة على تقليل صور الفقر في العالم أم لا؟ هذا هو السؤال المبدئي وراء حركات الاحتجاج مختلفة المشارب وأحيانًا متعارضة الأهداف، إنها حركات غير متجانسة ولذلك غير منظمة فستجد بينها أنصار البيئة والماركسيين ودعاة حقوق المرأة وأصحاب اليسار الاقتصادي، جماعات لا يجمعها رابط عدا معاداة اتجاهات الاقتصاد العالمي إلى جانب إحساس مرير بعدم العدالة ومن أمثلة تناقضها: رفض اتحادات العمال في الدول المتقدمة العولمة لأنها تريد الاحتفاظ بصور حماية المنتجات الوطنية وبالتالي وقاية عمالها من البطالة وذلك هدف يناقض من يعارضون العولمة في الدول الغنية رأفة بحال الدول النامية على الرغم من أن هؤلاء معنيون أساسًا بفتح أسواق جديدة أمام منتجات تلك الدول ومن يعارضون بهدف حماية البيئة يقدمون قضية التلوث على مطلب النمو الاقتصادي الذي يعني المعنيين بمكافحة الفقر ويرون العولمة وسيلة للافتقار.
إذا كان ثمة ما يجمع هؤلاء المتناقضين فإنه غالبًا فروض عامة نذكر منها التفاوت الاقتصادي غير عادل... العولمة تدمر البيئة... التجارة الحرة ليست بالضرورة التجارة العادلة لأنها لا تخدم إلا الشركات متعددة الجنسية وتحابي الأغنياء على حساب الفقراء والمتقدمين على حساب المتخلفين.
أما الاقتصاديين الجادين فهؤلاء لا يعادونها بإطلاق إنما يعادون عولمة لا تدار بشكل جيد وهجومهم موجه أساسًا إلى طرق التسويق التي تتبعها الشركات العملاقة ذات العلامات التجارية واسعة الشهرة التي تستحوذ على مخيلة المستهلك في الدول المتقدمة وتمارس تطبيقات استغلالية تجاه العمال والعالم الثالث لكن ليس بين المعارضين من يقول بأن العولمة لا تعجل النمو العالمي وهذه هي النقطة المركزية في قضية العولمة فإذا كانت مشكلة الفقر لا حل لها إلا بتسارع النمو فهذا ما تكفله العولمة وبالتالي للفقراء وللدول النامية مصلحة فيها وبدلاً عن المعارضة الأنفع التركيز على تقليل السلبيات.
استباق ما لا مفر منه!!
لابد أن نعترف أن العولمة أضحت الظاهرة الأساسية المهيمنة على العالم والسمة الأساسية لهذه الظاهرة إنها ليست اقتصادية وتجارية فقط بل تشمل المجال الثقافي وينعكس ذلك في الجهود التي تقدم بها وسائل إعلام عالمية لإشاعة رأي عام عالمي موحد تمهيدًا لخلق ثقافة عالمية موحدة مما يتهدد المنطقة العربية التي بدأت قوى العولمة في النظر إليها كسوق كبير مستهلك لمنتجاتها الاقتصادية والثقافية ومن هنا يمكن لفكرة السوق العربية المشتركة أن تشكل جزءًا من مشروع يواجه هذا التطور الذي لا مفر منه واستباقًا لما سيحدث إن عاجلاً أم آجلاً ومن شأن هذه السوق في حالة نجاحها أن تدفع باتجاه تقارب عربي ـ عربي بدءًا بالمستويات الاقتصادية ووصولاً إلى الثقافية وربما السياسية ما قد يساعد في نشوء تيار وحدوي عربي جديد ينطلق من هذه الأسس الواقعية ويستند هذه المرة إلي معطيات مختلفة كليًا عن ما سبق وإلى عقد اجتماعي شعبي عربي يشكل حصانة أكيدة ضد محاولات الاختراق وتذويب الهوية والدعوة إلى شرق أوسطية مشبوهة لكن التكتل الاقتصادي لا يكفي بدون توفر عوامل أخرى عديدة منها القيام بعملية تثقيف تستهدف إشاعة القيم العملية وترسيخ حقيقة أن تنامي المصالح المتبادلة بين كافة البلدان العربية هو الضمانة الحقيقية للأمن والرفاه العربي.
من يتحدى العولمة؟!
عناوين النظام الدولي الجديد كلها مبهرة، كلها تتحدث عن الحرية وحقوق الإنسان في إطار عالم واحد تجري عولمته بعناية فائقة، مأزق العناوين المبهرة للنظام الدولي الجديد يكمن في مصداقيتها فهو يتحدث عن حرية التجارة ولا يعني بها سوى حرية الأقوياء في الوصول إلى أسواق الضعفاء وهو يتحدث عن حقوق الإنسان ولا يعني بها سوى حرية الإنسان الأبيض في استبعاد باقي سكان العالم وهو يطالب الجميع باستيفاء شروط الالتحاق بالعولمة دون أن يكترث لمدى عدالة هذه الشروط أو قابليتها للتنفيذ.
لهذه الأسباب خرجت التظاهرات الحاشدة في سياتل بالولايات المتحدة لتفسد سعي منظمة التجارة العالمية إلى التنكيل بالدول النامية ولهذه الأسباب ذاتها اشتعلت كيبك الكندية غضبًا حينما اجتمع على أرضها قادة الأمريكتين لبحث إقامة منطقة تجارة حرة تشمل القارتين (العالم الجديد) .
الغاضبون في سياتل يطالبون بعالم أكثر عدلاً ويتشككون في حقيقة نوايا الكبار إزاء الغالبية العظمى من دول العالم التي تكتوي بنيران العولمة ولا تقدر على تحديها لأنها إن رفضتها صارت خارج التاريخ وإن قبلتها صارت تحت مقصلته.