[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
لا نريد هنا أن نتكلم عن مزالق الديمقراطية والمآخذ التي أُخذت عليها كعقيدة وفكرة وطريقة ودين .. فهذا قد تناولناه في كتابنا"حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية"وغيره من الأبحاث والمقالات .. ولكن نود أن نشير إلى الديمقراطية كما تفهمها وتمارسها وتبشر بها راعية وحامية الديمقراطية في العالم"أمريكا"!
مما يُعين على فهم الديمقراطية ـ فتنة العصر ـ وتحديد الموقف منها أن ينظر المرء إلى رعاة ودعاة وحماة الديمقراطية: كيف يفهمون الديمقراطية، وكيف يمارسونها ويطبقونها .. وماذا يريدون من ورائها لشعوبنا وبلادنا!
لا خلاف بين جميع المراقبين العقلاء للمواقف الأمريكية وسياستها أن أمريكا تتخذ من الديمقراطية ذريعة للاستعلاء .. والاعتداء .. والاستيلاء .. والتدخل في شؤون الآخرين!
فالديمقراطية التي تعمل على تحقيق وحماية أطماع أمريكا .. ومصالحها .. وسياساتها الخارجية الداعمة والمؤيدة للصهاينة اليهود المستوطنين في فلسطين .. والمناهضة لأي توجه إسلامي جاد .. أو قوة إسلامية معتبرة .. فهي الديمقراطية المحمودة والمثالية والمتحضرة .. وأيما ديمقراطية تتعارض مع المصالح الأمريكية وأطماعها وسياساتها هذه .. فهي ليست بشيء .. وليست بديمقراطية معتبرة مهما تنادى أصحابها بالديمقراطية ومجدوا بها!
أمريكا تريد الديمقراطية التي تفرق الصفوف، وتشتت الكلمة .. وتُضعف الشوكة .. وذلك في تقسيمها للمجتمع الواحد ـ من بلاد المسلمين ـ المتجانس دينياً وثقافياً إلى عشرات ـ بل ومئات ـ من الأحزاب المتغايرة المتنافرة المتباغضة .. لكي تنتقي ـ فيما بعد ـ من هذه الأحزاب أقربها إلى أهدافها ومصالحها وسياساتها في المنطقة لتتكئ عليها وتُظهرها .. وتهدد بها الأحزاب الأخرى .. وتتخذها وسيلة وذريعة للتدخل في شؤون البلاد والعباد .. على مبدأ فرق تسد .. وهذا كله يتم باسم الديمقراطية .. والعمل من أجل تحقيق الديمقراطية!
أيما بلد أو دولة تخرج عن الطاعة والعبودية الأمريكية .. فأمريكا تملك كل المبررات والمسوغات التي تبرر لها إبادة تلك الدولة وإزالتها من الوجود ـ كما حصل في أفغانستان والعراق ـ باسم الديمقراطية .. والعمل من أجل تحقيق الديمقراطية!
أيما نظام يتعارض مع الأطماع والسياسة الأمريكية ـ ولو اختاره غالبية الشعب ـ فهو نظام غير ديمقراطي .. تغييره بالقوة فيه وجهة نظر .. وخيار محتمل .. وأيما نظام يسهر على حماية ورعاية المصالح والأهداف الأمريكية .. فهو نظام ديمقراطي متحضر .. وصديق حميم يستحق الدعم والتأييد الأمريكي .. ولو كان قمة في الديكتاتورية والظلم والإرهاب بحق الشعوب .. وما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك لو أردنا الاستطراد أو الاستدلال!
لا يحق لأي بلد مسلم أن يملك القوة التي تحرره من التبعية والحاجة لأمريكا أو غيرها من دول الغرب .. وهذا من تمام مبادئ الديمقراطية الأمريكية والغربية .. التي يسهرون على تحقيقها باسم الديمقراطية .. والحفاظ على الديمقراطية!
أيما بلدٍ من بلاد المسلمين يتصرف بطريقة فيها استقلالية .. وسيادة .. وندية للسياسة الأمريكية .. فهو بلد غير ديمقراطي .. وبالتالي فهو عرضة لجميع أنواع العقوبات والتهديدات .. من أجل بسط الديمقراطية فيه من جديد!
لا بأس بقتل عشرات الآلاف من الناس الأبرياء .. بقنابل أمريكية ديمقراطية من نوع ووزن الطُّنِّ فما فوق .. وبالأسلحة الذكية الديمقراطية .. من أجل الديمقراطية .. وتحقيق الديمقراطية!
لا حرج بالصواريخ العابرة للقارات التي تدمر البيوت على ساكنيها الآمنين .. مادامت هذه الصواريخ صواريخ ديمقراطية أمريكية .. قذفت من على البوارج الأمريكية من أجل تحقيق الديمقراطية!
بكل دم بارد .. يدمرون المدن على ساكنيها .. ويقتلون الآلاف من الأبرياء .. ثم يقولون: هذا الذي نفعله من أجل الديمقراطية .. وتحقيق الديمقراطية في البلاد .. فالديمقراطية سلعة غالية ولا بد من التضحية في سبيلها!
تُكمَّم الأفواه .. وتُغلق الصحافة .. ويُقتل الصحفيون .. ويُسجنون .. وتُمنع قنوات البث الفضائية من أداء عملها على الوجه المطلوب .. عندما تتحرك ـ ولو قليلاً ـ في الاتجاه المعاكس للمصالح والسياسة الأمريكية .. وهذا التصرف كله من الديمقراطية .. ومن أجل حماية مكاسب الديمقراطية .. لا تعارض بينه وبين الديمقراطية مادام يصب في خدمة وصالح راعية الديمقراطية أمريكا .. ومادام أن الذي يقوم بكل هذه المصادرات والإجراءات التعسفية هي أمريكا!
لا بأس بالإرهاب ولا حرج فيه ـ ولو كان في أبشع صوره ومعانيه ـ إن كان ضحيته من المسلمين ـ كما هو الحال في فلسطين، وأفغانستان، والشيشان، والعراق، وكشمير وغيرها من البلدان ـ فهو إرهاب ديمقراطي متحضر ومشروع .. ومن أجل الديمقراطية!