فهرس الكتاب

الصفحة 12250 من 27364

اختراق الاقتصاديات العربية بِ(الكويز)

رضا عبد الودود 15/11/1425

سعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عدّة عقود، وعبر العديد من الأشكال لتطبيع العلاقات بين الدول العربية والكيان الصهيوني، وقد أخذت محاولات واشنطن طرقاً عديدة، أولها: إبرام اتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية، وتكبيل هذه الدول بالتزامات تفتح أبوابها وأسواقها على مصراعيها أمام الساسة ورجال الأعمال الصهاينة. وفشلت هذه المساعي بسبب عدم جديّة العدو الصهيوني في تنفيذ التزامات الاتفاقيات التي وقّعها، ورفض الشعوب التطبيع مع هذا الكيان، وربط الأمر بتسوية لم تتحقق مع الفلسطينيين، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.

تطبيع بلقمة العيش

كرّست واشنطن جهودها لإنجاح محاولتها هذه المرة عبر اتفاق تجاري نادر لخدمة المساعي الصهيونية، حيث تشترط الولايات المتحدة على دول المنطقة التي تريد أن تدخل منتجاتها السوق الأمريكية أن يكون هذا المنتج قد تم إنتاجه بمكون الكيان الصهيوني حتى ولو بنسبة صغيرة 8 % أو 11 % مما يعني وجود المكون الصهيوني في أي سلعة عربية تدخل أمريكا، ووجود اتصالات وزيارات وتعاون مشترك بين أصحاب المصانع ورجال الأعمال في الدول العربية ونظرائهم في الكيان الصهيوني، وبذلك يتحقق الغرض الصهيوني والأمريكي في ضمان الهيمنة والسيطرة على المنطقة من خلال التحكم في اقتصادياتها عبر اتفاقية يُطلق عليها (الكويز) أي المناطق الصناعية المؤهلة.

ويشترط للاستفادة من اتفاقية (الكويز) والحصول على الإعفاء أن يكون المنتج قد تم إنتاجه في المناطق الصناعية المؤهلة وفقًا لقواعد المنشأ المعمول بها لدى جمارك الولايات المتحدة، وأن يتضمن نسبة مكون الكيان الصهيوني التي لا تقل عن 8 % وتصل إلى 17 %، ونسبة أخرى تدخل في الصناعة المؤهلة تمنح السلعة المصدرة منها إعفاءات، ولكنها لا تمنح السلعة الأمريكية الواردة أية إعفاءات؛ بمعنى أن الالتزامات غير متكافئة بعكس اتفاق التجارة الحرة، فإنه يمنح مزايا وإعفاءات ويرتب التزامات متكافئة، أما الفارق الأساسي فيكمن في أن الإعفاءات من الرسوم الجمركية تبدأ من اليوم الأول لتنفيذ الاتفاقية بنسبة صفر %، بينما في اتفاقية التجارة الحرة تندرج الإعفاءات بنسب متفق عليها لمدة عشر سنوات.

التجربة التركيّة والأردنيّة

سبقت تركيا دول المنطقة في توقيع هذه الاتفاقية مع واشنطن بعد تدشين التحالف العسكري مع تل أبيب عام 1996م، وتمّ إنشاء أكثر من خمس مناطق صناعية مؤهلة في تركيا تنفيذًا لاتفاقية (الكويز) ، ورغم أن الصادرات الصناعية التركية قد زادت لواشنطن بمقدار 13 % بعد توقيع هذه الاتفاقية إلا أن رجال أعمال أتراكاً قد شكَوا كثيرًا من رداءة مكوّنات الكيان الصهيوني وعدم جودته، وتسببه في حدوث أخطاء فنية في المنتج التركي، إلا أنهم -وسعيًا للاستفادة من مميزات الكويز- تجنبوا انتقاد هذه العيوب بصورة متكررة رغمًا عنهم.

ورغم ذلك لم يستفد الاقتصاد التركي من هذه المميزات، ودخل نفقًا مظلمًا حيث تراكمت المديونيات، وأصاب الاقتصاد ركود كبير لدرجة أن تركيا طلبت دعم صندوق النقد والبنك الدوليين للتدخل لإنقاذ اقتصادها من هذا النفق، وكان الكيان الصهيوني المستفيد الأول من هذه الاتفاقية كون العلاقات التجارية الأمريكية التركية مزدهرة أصلاً، ولم تكن بحاجة لمثل هذه الاتفاقيات.

وجاءت الأردن الدولة التالية بعد تركيا انضمامًا لهذه الاتفاقية عام 2001، وكان انضمام الأردن ذا مغزى كبير، وقد ضمن الاتفاق دخول تل أبيب كحكومة موقعة على الاتفاق في مفاوضات على نسبة المكون الصهيوني الذي يصدر إلى السوق الأمريكية.

جاء هذا الاتفاق مع واشنطن بعد سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة مع تل أبيب وواشنطن آخرها اتفاق التجارة الحرة مع أمريكا؛ لكن كل هذا الكم لم يحقّق للأردن أي فوائد باستثناء زيادة صادراتها لواشنطن بمقدار (400) مليون دولار، وهذا رقم لا يقارن بالإغراءات التي قُدّمت للأردن التي تواجه سنوات عجافًا منذ 1994م، حيث لم تلمس ثمارًا حقيقية للسلام، ولا من جراء هذه الاتفاقيات، بل لم يحظَ الأردن بالإعفاء من المديونية العالية التي سعى لها اعتمادًا على دوره في عملية السلام.

(كويز) مصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت