فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 27364

صورة الإسلام في الخطاب الغربي (15)

"الحداثة"والموروث الديني

د.محمد عمارة

وحتى لا يخلط الوهم بين هذه"الحداثة الغربية".. التي تقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث الديني، وبين"التجديد الإسلامي"، الذي يستصحب الثوابت ويطور في المتغيرات... نسوق كلمتين لاثنين من دعاة هذه الحداثة في بلادنا.

أولاهما كلمة"هاشم صالح"، المتخصص في ترجمة وتسويق المشروع الحداثي للدكتور محمد أركون.. فلقد كتب عقب قارعة سبتمبر داعيًا إلى انتهاز فرصة الهجمة الغربية على الإسلام، لتبني الحداثة الغربية التي أحلت وتحل"الدين الطبيعي"محل"الدين الإلهي"!! فقال:"إننا يجب أن نلتحق بفولتير (1734 1778م) وتصوره الطبيعي عن الدين والأخلاق، فالدين الحقيقي هو الدين الطبيعي.. وإن العبرة هي بأعمال الإنسان وليست بمعتقداته، أو حتى صلواته وعباداته.. ولابد من تأويل جديد لتراثنا يختلف عن تأويل الأصولية، بل وينقضه.. تأويل يكشف عن تاريخية النصوص التأسيسية، ويحل القراءة التاريخية محل القراءة التبجيلية لهذا التراث"! (1) .

أما الكلمة الثانية فهي للدكتور على حرب، والذي قال عن حداثة مشروع أركون وهاشم صالح:"إنها القول بمرجعية العقل وحاكميته.. وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة مكان إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون..." (2) .

فالعدو عند المشروع الأمريكي هو الإسلام المقاوم للعلمانية الغربية والحداثة الغربية والاستهلاكية الغربية. أي الإسلام المقاوم للمسخ الغربي والأمريكي.

والعدو عند الحداثيين الذين يحملون الأسماء المسلمة ليس الإمبريالية الأمريكية وهيمنتها، وإنما"إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون"... ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

هذه هي حقيقة الموقف الذي نحن فيه.. وحقيقة التحدي الذي نواجهه الآن...

صحيح أنه يشبه"الكابوس"خصوصًا إذا رأيناه في ضوء حال الأمة حكامًا ومحكومين وفي ضوء نجاح الغرب في استغلال مشكلة الأرثوذكسية الروسية مع المسلمين الشيشان.. ومشكلة الهندوسية الهندية مع المسلمين في كشمير ومشكلة"الكونفشيوسية الصينية مع المسلمين في تركستان الشرقية... نجاح الغرب في استغلال هذه المشكلات لإقامة تحالفات بعض أطرافها متعاون وبعضها صامت في هذه الحرب الغربية على الإسلام، حتى ليتذكر المحلل للموقف الراهن مشورة"صموئيل هنتنجتون"سنة 1993م، على صانع القرار الأمريكي، بتحييد الحضارات الأخرى، وبدء صدام الحضارات، أولًا بالإسلام!".

إننا، أمام هذا"الكابوس"في موقف شبيه بموقف المسلمين يوم غزوة الأحزاب... عندما تحالفت كل أطراف الشرك.. رغم ما بينها من تناقضات مع اليهود رغم ما بينهم وبين الشرك والوثنية من تناقضات تحالفوا جميعًا ضد الدولة الإسلامية الوليدة، والدين الإسلامي الجديد... حتى لقد زاغت من الصحابة الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزل المسلمون زلزالًا شديدًا من هول هذا"التحالف الكابوس"... بل وظنوا بالله الظنون!... إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) (الأحزاب) .

أو لكأننا أمام الحلف"الصليبي التتري"، الذي اجتاح فيه التتر ودمروا مشرق العالم الإسلامي، وهددوا بقية الوجود الإسلامي في مصر والمغرب... يوم أعلنوا بعد دمارهم لبغداد والمشرق:

"لقد فتحنا بغداد، وقتلنا فرسانها، وهدمنا بنينانها، وأسرنا سكانها".. ثم وجهوا التهديد لمن بمصر، قائلين:"إنهم إن كانوا في الجبال نسفناها، وإن كانوا في الأرض خسفناها"!!... وأرسل"هولاكو" (1217 1265م) إنذاره إلى الملك المظفر"قطز" (658ه- 1260م) قائلًا: فيه:"لقد فتحنا البلاد، وقتلنا معظم العباد.. فأي أرض تؤويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم؟! فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، ونحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى! فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعدونا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم، فاتعظوا بغيركم، وسلموا إلينا أمركم، وعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب.. ولقد أعذر من أنذر"!!.. حتى لقد حسب الناس يومئذ"أن القيامة قد قامت"!! (3) .

فما كان من العلماء والأمراء والخاصة والعامة إلا أن نفروا للجهاد، فكان نصر الله في"عين جالوت" (658ه-1260م) ... وانهزم التتار لأول مرة في تاريخهم... ثم دخلت دولتهم وقبائلهم بعد ذلك في الإسلام.

الهوامش

(1) صحيفة"الشرق الأوسط"في 26-12-2001م.

(2) صحيفة"الحياة"في 18-11-1996م.

(3) المقريزي"كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك"ج1، ق1، ص427، 428، تحقيق: د.محمد مصطفى زيادة، طبعة القاهرة، سنة 1956م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت