فهرس الكتاب

الصفحة 22085 من 27364

د. مسفر القحطاني 25/1/1428

ربما كان الاستبداد و التسلط السياسي أشنع صور الاعتداء على كرامة الفرد وإنسانيته، ولكن هناك لحظات في الحياة يكون فيها الاستبداد الفكري أشنع حالاً وأعمق أثراً على تحطيم دافعية الإنسان نحو الحرية، أو تهميشاً لإرادته في التعبير عن قناعاته وآرائه، أو تكريساً لمذلة الاتباع لمن له الحق المطلق في المعارف والأحكام وشؤون الواقع وحتى الغيب؟! فالطغيان المادي وإن كان يضرب الإنسان بعصا من حديد إلاّ أن الطغيان الفكري يخنق الإنسان بحبل من حرير! وحينما تُكبّل عقول الأفراد بالتخويف والتهميش والتسطيح تصبح المجتمعات سجناً كبيراً يُمنع فيه الأفراد من التفكير والتعبير، ويرسفون من حيث لا يشعرون في قيود الخوف من نقد أو مخالفة الوثن المعبود، وإلاّ أصبح كل جريءٍ متمرداً منبوذاً مخالفاً للجموع المرعوبة، وهذا ما فعلته زمرة من الأوثان البشرية قضوا فيها على أمم لم تَعُد للحياة إلاّ بعد زوال عروش التسلط الفكري عنهم؛ كما حصل للألمان في عهد هتلر أو الطليان مع موسليني أو ماوتسي تونغ في الصين أو ستالين في روسيا كأمثلة صارخة للإبادة الفكرية الجماعية وتقديس الوثن الأوحد.

أما في عصرنا الحاضر ونحن في مرحلة استحالة تكبيل العقول بالأفكار المقفلة نتيجةً للانفتاح الفضائي وتوسّع وتنوّع وسائل الاتصال بالعالم؛ أصبحت بالتالي مجتمعاتنا الإسلامية في حيرة من تعدّد الخيارات الإصلاحية و انجذابها للتيارات الفكرية المتكالبة على كسب أسواقها الجديدة الواعدة؛ فظهرت أزمة حقيقية لدى الفرد المسلم في عدم القدرة على التمييز بين تلك المنتجات الوافدة من الأفكار والمشاريع، وما هو الأصلح للتطبيق والأنسب للعمل، وظننا أن نجاح بعض تلك المشاريع الفكرية في بلدانها أنه العلاج الجذري والكافي لمشكلات بلادنا؛ فالديمقراطية -على سبيل المثال- أصبحت جوقة كل التيارات المتنافرة في عالمنا الإسلامي، ولمّا تم استنباتها في مجتمعاتنا من خلال توسعة الشراكة الحزبية في إدارة السلطة، وتعميم التجربة الانتخابية أنتجت لنا مرضاً خطيراً كان من أسباب الشقاء في نكساتنا التاريخية من خلال عودة القبيلة، وتكريس العنصرية الإقليمية، وتأجيج نار الطائفية التي جعلت من الدولة الواحدة دويلات متحفزة للاشتعال من أدنى فتيل، بينما كان الأولى و الأسلم في نقل أي مشروع أن نفحص تربة البناء، ونمهد الأرض للعمل حتى لا نخسر بعد بذل الجهد أرضنا ومشروع البناء، لكن هذا الواقع يخفي في طياته مصالح فردية ودولية تسرّع في نقل الدم إلى مريض لم يتم فحص فصيلته المناسبة، مما يجعل المغامرة تتراوح بين الحياة أو الموت.

كما أن المسلم اليوم يقف أمام مشاهد محبطة يراها في العيان، وإن كان لا يدرك أثرها المباشر عليه، كالصراع بين الأجنحة والتيارات السياسية في بلاده، أو تزاحم الإشكاليات الفكرية وتهاوي القيم الدينية أمام النزعات المادية السلطوية؛ لذا فهو في أمسّ الحاجة لأن يقوّي دفاعاته من الاختراق الثقافي والقيمي، ويعيد بناء فكره ليكون صامداً من لفحات الأطروحات العقلانية النافرة أو الأيدلوجيات المتطرفة؛ من أجل تلك الحيثيات أضحينا في أمسّ الحاجة لعودة الوعي الديني للصمود والوعي الحضاري للنهوض، ولعلي أبيّن وأؤكّد مدى أهمية الحاجة للوعي في ظروفنا الراهنة وبناءه في النفوس والعقول من خلال هذين المؤشرين:

أولاً: المتأمل في مراحل تاريخنا الماضي يراه أشبه بالحلقات المترابطة، وإن كانت متفاوتة القوة، لكنها متلاحمة بانسجام بسبب المشترك الديني و الثقافي المتجذر في الأعماق، وعندما تختل تلك الرابطة الفكرية، ويضعف دور الإيمان والعلم والفكر الناضج يتحلل ذلك الترابط، وتتراجع حلقاته إلى القاع كسلسلة انفكت إحدى حلقاتها وهوت إلى الأسفل، أو أشبه بسباق التتابع الذي يحمل كل جيل للذي بعده تلك العصا المتجسدة في (الإيمان والفكر) ، والتي تنتقل عبر الأجيال المتلاحقة، وعندما يحملها شخص ضعيف القدرة والكفاية فإنه يؤخر كل الفريق معه، ويشده نحو تقصيره الفردي، ومن ثَمَّ يصبح الفريق بأكمله يعدو خلف الأمم المتقدمة بعماءٍ أو بغباء. لذلك كان الاهتمام بالروابط الدينية والفكرية له أثره الكبير في قوة الأمة، والفرصة اليوم سانحة لمن يملك الوعي اللازم لتقوية مكامن الضعف لدينا، وأعتقد أن الواعين في الأمة فكرياً ودينياً هم الحلقة المفقودة التي سينسجم الكل في فلكهم، ويتعاون الجميع مع مشاريعهم، ولا أظن مجدّداً احتل موقعاً متميزاً في تاريخ الأمة إلاّ كان دوره قوياً وملحوظاً في سدّ الثغرات الفكرية وإكمال الحلقات المعرفية التي تهاونت الأمة في لحظاتها التاريخية عن واجبها في تحصين العقل من الخرافات والأوهام وتفعيل أفكاره في التحضر والنهوض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت