ثانياً: إن كثرة التحديات الراهنة وعلى جميع المستويات الحياتية أبرزت أسئلة ملحّة في ذهن المسلم عن موقفه تجاه الانفتاح مع الأمم الأخرى، وضرورة التعايش السلمي معها لوجود مصالح مشتركة تجمعهم، وما هي الثوابت التي لابد من حفظها والمتغيرات التي تقبل المرونة في تعاطيها؟ وما هو مستقبلنا مع تسلط الشركات العابرة والإعلام الفضائي؟ وكيف نواجه حشود البطالة والنزوع للاستهلاك ومقاومة الظواهر السلوكية الخاطئة والانحرافات الخلقية؟ وغيرها من الأسئلة التي تتهيب النخب السياسية والعلمية والشرعية من مناقشتها بما يقنع الشباب - على وجه الخصوص- بالحلول الواقعية العملية، أو ربما كانت الهيبة أن نصرّح بمخارج من تلك الأزمات قد لا تروق لفئات من المجتمع؛ فنقع في وهم البعد عن الخلافات الفكرية التي لم تقللها الأيام بل زادتها شدة وعناداً، بينما الشباب الحيارى في سكرتهم يعمهون، وينتظرون المرشد المشفق على مستقبلهم الغامض! وهذا التهيّب قد أنتج لنا ظاهرة (سلمان العودة) و (عمرو خالد) و (طارق السويدان) وغيرهم من الدعاة، وهؤلاء -وإن كانوا قلة- فقد برزوا من جموع هائلة من العلماء المفكرين المشاهدين لصور الاغتيال المنظم الذي يُمارس على أفكار أجيال كاملة، ولكن من غير حراك؟! فطبيعي أن ينشدّ الشباب لمن يفهم حالهم، ويملك حلولاً واقعية لأزماتهم الساخنة، حتى مع بساطتها وضعف إمكانياتها؛ فشبابنا اليوم بعد فترة قليلة قد لا تتجاوز عقداً من الزمن هم من سيتولى قيادتنا شئنا ذلك أم أبينا؟! وكم تألمت قبل عدة أسابيع لما حضرت مؤتمراً يُعنى بقضايا الشباب ومستقبلهم المنتظر أن أسمع أكثر المتحدثين يراوح في نفس الأفكار التي أغبرت، وتكررت لعقود من الزمن الذي تغيرت كل معالمه واحتياجاته، وأسمع نفس الخطاب العاطفي المخدِّر بمثالياتٍ فيها من البلاغة والفصاحة ما تحملنا على الإعجاب والتصفيق، ولكنها لا توقظ نائماً للعمل، ولا تجيب عن سؤال حائرٍ منتظر.
و في كل يوم أزداد قناعة أن الوعي وترسيخه في البناء الذاتي والمجتمعي هو واجب المرحلة الراهنة و القادمة، وأن أي اغتيال لدوره أو تهميشاً لفاعليته في الدعوة والتربية والإصلاح هو بداية الإعداد لعصر التطرف والعنف الفكري والتغالب الاجتماعي و عودة الأوثان المقدسة.