الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
ففي هذا الزمان، علت صيحات منبوذة، وأفكار ممقوتة، تدعو بكل قوة وإصرار إلى اللحاق بركاب الغرب، من أجل إدراك الحضارة العظيمة - كما يزعمون - وكان من لوازم تلك النداءات: التخلي عن القيم والأخلاق، والتنازل عن العقيدة، وجعل الدين هشَّاً لا هوية له، وإنما جسدٌ بلا روح، بل أن بعضهم قد تطاول به الأمر، إلى أن ينسلخ من الروح والجسد، ليُصبح بلا ماهية.
و مع هذه الصيحات، كان على الأمة أن تتخذ الموقف الجاد، وتباشر العمل، في رد هذا العدوان، دفاعاً عن الشريعة، وحماية للتوحيد، وإزهاقاً للباطلِ وأهله، فكان الدور مشتركاً بين العلماء، وكلٌ بحسب طاقته ووسعه - على تفاوتٍ بينهم في ذلك - ولهذا أحببت أن أشارك في بعض ما يتعلق بالشباب من دور، على المدى القريب والبعيد، واخترت بعض الخطوات، التي تحتاج إلى توفيق الله أولاً، ثم الصبر والمصابرة على تحقيق تلك الأهداف، والتي ليست إلا مطيَّة للهدف الأكبر في هذه القضية، فإليكم هذه الخطوات في دور الشباب في مواجهة المد التغريبي:
أولا: الثبات والاستسلام لله:
لما أسلم عمر رضي الله عنه وأرضاه قال المشركون: صبأت؟!، فقال عمر:"كذبتم! ولكني أسلمت وصدَّقت"فثاروا إليه، فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وأعيى من التعب فقعد، فقاموا على رأسه وهو يقول:"افعلوا ما بدا لكم! أحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا".
كل هذا يحدث بعد إسلامه بلحظات!.
ولك أن تتأمل حين جاءه أبو سفيان وهو من أشراف قومه ليشفع له عمر الفاروق عند رسول ا صلى الله عليه وسلم في شد عقد الحديبية، فقال له معلناً البراءة من أعداء الله:"أنا أشفع لكم؟! والله الذي لا إله إلا هو لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به".
اجهر بصوتك أمام كل معاند: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) .
يجب أن يكون الشاب المسلم واثقاً بالمبادئ التي يحملها بين جوانحه، راسخاً في أفكاره رسوخ الجبال الراسيات، يستشعر دائماً معنى العبودية لله والانقياد له، ويعرض كل ما يستجد له على دينه فما خالف الدين نبذه ولو كان من أقرب الأقربين قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) .
إنّ مجرد الاتباع لا يكفى، بل إن الغاية هي الاطمئنان إلى العقيدة والسعي الحثيث للتأثير لا التأثر' وبهذا تكون القوة.
إننا في هذه الأيام نرى ونسمع في كل يوم من يدعو إلى تنحية كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم ، بتصريح أو تلميح!. وذلك من خلال دعواتٍ يُظهرها حثالةٌ من العملاء، ممن يدينون بالولاء لأسيادهم في الغرب والشرق!.
فأين هم من الصدِّيق رضي الله عنه وأرضاه إذ يقول:"لست تاركاً شيئاً كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت من أمره شيئاً أن أزيغ".
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
و لما أشار بعض المسلمين على أبي بكر رضي الله عنه بأن لا يبعث جيش أسامة لاحتياجه إليه، قال:"والله لو أن الطير تخطفني، وأن السباع من حول المدينة، وأن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين؛ ما رددتُ جيشاً وجهه رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ولا حللتُ لواءً عقده رسول ا صلى الله عليه وسلم ، والله لو لم يبقَ في القُرَى غيري لأنفذته، أفأطيعه حياً وأعصيه ميتاً!".
فأنفذ رضي الله عنه جيش أسامة، ثم أعلنها حرباً على المرتدين، فقيل له:"إنهم يقولون: لا إله إلا الله، قال: والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عَناقاً أو عِقالاً كانوا يؤدونه لرسول ا صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".
وهكذا نصر الله به دينه، فرضي الله عنه وأرضاه.
لقد أسلم ذلك الجيل، واستسلم وانقاد لحكم الله بلا خيار: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) . وبلا تنطع في البحث عن الحكمة والعلة؛ لأن ذلك ينافي التسليم والانقياد: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . وبلا حرج في النفس عند تطبيق النص الشرعي، يقول تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
ولئن أخذنا نحن يميناً أو شمالاً لقد ضللنا ضلالاً بعيداً.