فهرس الكتاب

الصفحة 24317 من 27364

أ. سمير مرقص**

هناك في داخل المنظومة الغربية من هم متحررون من التراث الكولونيالي بالمعنى الدقيق للكلمة، ويتجاوزون فكرة الحضارة/الكتلة التي تعني تماثل العناصر المكونة لها في مواجهة حضارة/كتلة أخرى. وعليه نجد أن أكثر من تشددوا في مواجهة العولمة هم أعضاء النقابات الغربية، والمدافعون عن البيئة، والناشطون في المجتمع المدني الغربي، والذين يحاولون بناء موقف مستقل عن أنظمة الحكم في الغرب وبخاصة الأمريكية.

فمن المعروف تاريخيا أن الإدارة الأمريكية تتولى بالنيابة عن الأمريكيين إدارة شئون السياسة الخارجية بشكل مطلق والتي ازدادت في الآونة الأخيرة بوصول بوش الابن إلى مقعد الرئاسة الأمريكية؛ حيث الإدارة ذات طابع يميني متشدد: سياسي وديني، وقد ازداد تشدد الإدارة بطبيعة الحال بعد 11/9. بيد أن أصحاب الرؤية المدنية القاعدية يحاولون التمرد على الرؤى والسياسات التي تؤدي إلى الصدام من واقع الهيمنة الغربية، وانحازوا للتصدي لسياسات الظلم الاجتماعي والاقتصادي داخليا في إطار المنظومة الغربية، ومدوا تضامنهم مع فقراء العالم والمتضررين بغض النظر عن انتماءاتهم، كما يؤكدون على أن التنوع من أهم الخصائص البشرية في وجه رؤى عنصرية تمثل تهديدا حقيقيا للتنوع ولكل ما يميز عرقا عن آخر، أو أيديولوجيا عن أخرى، أو دينا عن آخر. إن أنصار هذه الرؤية أمكنهم من خلال وسائل الاتصال الحديثة تعبئة التحالفات في شتى بقاع الأرض في مواجهة عنت الرؤى الحاكمة في الغرب والساعية للصدام من دون تمييز.

يمكن القول بأن هذه الرؤية تناقض ما سبق من حيث المضمون الفكري من جانب، وكذلك التحرك العملي من جانب آخر، إنها حركة قاعدية مدنية ترفض استئثار الغرب بالعالم، كما ترفض الصراع على القاعدة الحضارية: غرب - شرق، غرب - إسلام، وتعود إلى أصل هذا الصراع -في تصورها- وأنه صراع ضد العولمة بغض النظر عن أن من يطلقها هو الغرب؛ لأن هناك من يستجيب لها من الآخرين، وبالتالي لا بد من تعبئة كل المتضررين سواء في الغرب أو في الشرق، في الشمال الغني أو الجنوب الفقير، في الحضارة الغربية أو في الحضارة الإسلامية.

إنها في واقع الأمر حركة"العولمة من أسفل"التي تحاول تسليط الأضواء على التأثيرات السلبية لسياسات العولمة الاقتصادية والضغط من أجل زيادة معدلات الفقر والتهميش والتلوث البيئي وانتهاك حقوق الإنسان المترتبة عن سياسات المؤسسات المالية الدولية سواء في الشمال أو في الجنوب، والدعوة إلى بناء نظام اقتصادي عالمي بديل قائم على العدل وليس السوق الحرة والرأسمالية الشرسة، وبتعبير آخر عدم التعمية على ما سبق بمقولة صدام الحضارات.

في ضوء ذلك تشكلت العديد من المنظمات والجماعات غير الحكومية التي تمثل هذا الاتجاه، وتضم في صفوفها منظمات متنوعة ومتباينة الاتجاهات؛ فمنها الخيرية والدينية والإصلاحية والتقدمية والراديكالية والشبابية والنسائية والنقابات العمالية والجماعات الفلاحية والحركات الاجتماعية وغيرها من المنظمات الشعبية. وتسعى هذه المنظمات إلى تبني مسار للتنمية بديل للمسار الحالي للعولمة، وبناء هياكل اجتماعية واقتصادية وسياسية بديلة قائمة على التعاون والديمقراطية والمشاركة السياسية والعدل الاجتماعي والتنوع الثقافي وحماية البيئة.

وقد استفادت هذه الحركة من شبكة الإنترنت في سرعة الاتصال وتبادل المعلومات والتنسيق والتعبئة والحركة. كما اعتمدت على آلية عمل ديمقراطية غير مركزية (حيث كسرت احتكار المركزية الحضارية الغربية) تتناسب مع عدم تجانس المنظمات والجماعات المشاركة في هذه الحركة؛ وهو ما أتاح الاستقلالية في اختيار شكل ومساهمة وتحرك كل منها اعتمادا على إبداع وخبرة المشاركين ومبادرتهم.

وعليه تتجاوز هذه الرؤية ما تحاول أن تكرسه الرؤيتان السابقتان، ولعل ما حدث في سياتل ودربان وكذلك بيان المثقفين الليبراليين والتقدميين المائة والأربعين في مواجهة بيان الستين عقب 11/9 يكشف عن هذه الرؤية. وفيما يخص بيان المائة والأربعين نجد أنه بحق -بحسب السيد يسين- خطاب معارضة أمريكي يؤكد أن هناك إمكانية التمايز عن الرؤيتين الاستشراقيتين (القديمة/الجديدة والمعدلة) . إن هذه الرؤية تتيح أن تتحالف كل فئة في حضارة ما مع المقابل لها في الحضارة الأخرى، وهو ما ينطبق على الحوار القائم بين المجتمع المدني العابر للقوميات؛ وهو ما يمكن أن ينطبق عليه تعبير حوار الحضارات، خاصة أن الرؤيتين السابقتين يمكن اعتبارهما نخبويتين تعبران عن مصالح من يحكم، بينما هذه الرؤية قاعدية مدنية وشعبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت