د. وليد بن عثمان الرشودي 7/3/1423
إن الرفض لذات الرفض ، يعد تخلفاً في عقلية العقلاء الذين ينشدون الصلاح لأنفسهم وأمتهم ، وفي الأثر"الحكمة ضالة الؤمن حيث ما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه"فالمسلم يبحث عمّا يحقق له الحكمة من وجوده على هذه الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة) ، فلا بد من عمارتها بصلاح الدين والدنيا ، ليس كما نحب أو نرضى ، بل جعل لنا ربنا أحكاماً تعبدنا بها في إصلاح هذه الحياة لتحقق فينا العبودية المطلقة لله ، ومن ذلك التزام الشرع الكريم في كل الأحوال ، وعدم الخروج عنه قيد أنملة، سيما في الثوابت التي لا تحتمل أن تهتز فضلاً أن تتغير أو ينقص منها، لأن في ذلك منافاة لقول الرب جلّ في علاه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ، وكما قال مالك: ما لم يكن ذلك اليوم ديناً فليس اليوم بدين .
وثمة سائل يسأل: ما علاقة التعلم للغة الأعجمية بهذه الطليعة السابقة ؟
العلاقة هي أن الحفاظ على النشء - فكرياً- أمر محتم شرعاً"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فتأثر الطفل والتأثير عليه تحت الحصانة الشرعية لا يجوز لنا أن نتصرف بها إلا كما أمر ربنا جل وعلا ، وكما في الحديث"ألهذا حج ، قال نعم ولك أجر"، فالخير يجب أن يجلب إليهم ، والشر لابد أن يحجب عنهم سيما ما يتعلق بدينهم وفطرتهم قال شيخ الإسلام رحمه الله (ويجب تعليم أولاد المسلمين ما أمر الله بتعليمهم إياه وتربيتهم على طاعة الله ورسوله كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مروهم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع .) _ ولاشك أن التحرز لهم بمنعهم من مخالطة الأعداء _ كيف وأن أعداء هذا الزمان جلهم معتدون _، مطلب أمره في الشريعة ضروري ، ومن ذلك حماية ألسنتهم من أن يخالطها عجمة ، فاللسان هو دليل القلب ، قال الحسن: اللسان أمير البدن فإذا جنى من الأعضاء شيئاً جنت وإذا عف عفت . أ.هـ ، فصيانته من كل سوء مطلب لابد أن يعتنى به خاصة مع شدة التغريب الموجه على الأمة ، واللسان جزء منها ، إذ المقرر عند أهل العلم أن التشبه بالظاهر يورث موالاة الباطن ، وهذه القاعدة أثرها موجود ومحسوس لا يمكن أن ينكر ، وإذا كان الناس يشكون من لوثة اللسان الغربي بدون إدخال التهذيب عليه منذ نشأته ، فكيف إذا أصل تغريبه ، ولله درّ حافظ إبراهيم حينما قال: واهًا لهذه اللغة التي أصبحت بين أعجمي ينادي بوأدها ، وعربي يعمل على كيدها !!. أ.هـ .
عفواً أخي القارئ.. إن الغيرة على اللسان العربي لابد أن تأخذ أَوْجَها في القلوب ، ولابد أن تنتفخ الأوداج حمية للغة القرآن ، والثأر لها في هذا الزمان الذي نصبت فيه الشراك لها ليوقع بها ويغتال شرفها .
إن تأصيل الحكم الشرعي لتعلم اللغة العربية ووجوب الحفاظ عليها ظاهر لكل من آتاه الله قلباً أو ألقى السمع وهو شهيد ، وتعليم الصغار وتنشئتهم على حب العربية والتخاطب بها ، ومعرفة ما فيها من الدين ، حيث بها يقيم القرآن ، ويعرف معاني آياته ، فيستجيب لأمر ربه ، ويفهم سنة رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يحقق الغاية من وجوده سيما في هذا العصر الذي تنكر فيه للغة القرآن ، وقصّر أهله في نصرته ، حتى طغت العامية على العربية ، وأصبح الناس لا يفهمون كثيراً من ألفاظ القرآن ، قال شيخ الإسلام - رحمه الله- في الاقتضاء ،: وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب ، فيظهر شعار الإسلام وأهله ، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام فقه معاني الكتاب والسنة ، وكلام السلف ، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه ، وأعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً ، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ، ومشابهتهم تزين العقل والدين والخلق ، وأيضاًَ فإن تعلم اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ، فإن فهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ، ومنها ما هو واجب على الكفاية ، وهذا معنى ما رواه ابن بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عيسىبن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية فإنها من دينكم ، وهذا الذي أمر به عمر -رضي الله عنه- من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال ، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله ، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله ) ولعل في هذا التقرير من شيخ الإسلام كفاية في بيان الحكم الشرعي الذي نحن مطالبون بالاستسلام له غنية عن نقل غيره .
وإن من أخص من يعنى بهذا الحكم أهل الجزيرة العربية التي شرفنا الله بسكنها ، والعيش على أرضها ، فإن لها خصائص يجب عليها أن تتميز به عن غيرها .