قال الشيخ العلامة بكر أبوزيد - شفاه الله وعافاه - في كتابه العظيم الماتع (خصائص الجزيرة العربية) ، في معرض ذكره للضامنات التي يجب القيام بها لحفظ خصائص الجزيرة: ( تعريب لسان الأمة من رطانة الأعاجم إلى شعار الإسلام ، ولغة القرآن لسان العرب( لأن الدين فيه أقوال ، وأعمال ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله ، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله ) ، فلذلك يجب على من بسط الله يده بالسلطان على هذه الجزيرة أن يقوم بحمايتها من غائلة الأعاجم ، وأن يحفظ لسانها من العجمة ، وأن يتبنى قواعد لغة القرآن ، فإن التاريخ لنا فيه عبر أي عبر ، فقلَّب ناظريك يا رعاك الله تجدْ أن أول ما طمست الهوية الإسلامية في كثير من البلدان المستعمرة بالقضاء أولاً على لسانها ، وإشاعة العامية فيها ، ولا يخفى ما فعله دانلوب ، وجهود طه حسين في تغريب اللسان العربي في مصر ، واستبداله بالعجمة والعامية لتذوب معالم الدين ، وتقطع العلاقة بين المرء ولسان دينه .
قال الأديب مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم: وما ذلَّت لغة شعب إلا ذلّ ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمرة ، ويرعبهم بها ، ويشعرهم عظمته فيها ، ويستلحقهم من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد:
أما الأول: فيسجن لغتهم في لغته سجناً مؤبداً .
وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً .
وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم بالأغلال التي يصنعها فأمرهم من بعدها لأمره تبع . أ.هـ
فكيف إذا زاد على ذلك عدد من المبتعثين الذين رضعوا من صلب الاستعمار فأنتج منهم نتاجًا هزيلاً ليخدم المستعمر ، ويضيع خصائص بلده وأمته ، ومن أشد هذه المسالك لؤمًا ما يعود به عدد من المبتعثين من شباب هذه الأمة إلى ديار الكفر، إذ يعودون وهم يحملون تحللاً عقدياً رهيباً منضوين تحت لواء حزبي مارق ، وفي لحطات يمسكون بأعمال قيادية عن طريقها ينفذون مخططاتهم ، ويدعو بعضهم بعضاً ، فيتداعون على صالحي الأمة ، وعلى صالح أعمالها ، وهذا أضر داء استشرى في هذه الجزيرة ، فهل من مستيقظ ؟ وهل من مستبصر) ؟ أهـ .
وإننا في هذه البلاد المباركة لنحاذر ذلك ، ونخاف منه ، ونخشى أن يحل بنا ما حل بغيرنا ، والله تعالى يقول (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، وهذا الذي نرى بوادره من فتح للمدارس الأجنبية لتقرر المناهج الغربية في بلاد المسلمين بحجج واهية ، وما رأيناه فيها من إماتة للغة العرب ، ووأد لتدريس علوم الشريعة ، مع ما صاحبها من اختلاط مشين لا يمكن أن يبرر ، إلى فرض تدريس اللغة الأعجمية على أطفال المسلمين بحجة المحاكاة ، فإن في هذه الخطوة -كفانا الله شرها- محاذير ، منها:
1 -ازحام عقل الطفل ، بحيث تشغل اللغة الأعجمية اللغة العربية .
2 -إثقال كاهل الطفل الدراسي ، فهو بحاجة إلى أن يخفف عنه من قيود الرياضيات والعلوم لا أن يزاد عليه غيرها .
3 -أن الدراسات النفسية والاجتماعية أثبتت - بما لا يدع مجالاً للشك والريب- أن الطفل في مراحله الأولية لا يستطيع إتقان أكثر من لغة ، والناس يعانون من عجمة أولادهم بسبب مخالطة الخدم ، فكيف إذا درسوا ذلك ؟
4 -أن المستقدم لتدريس هذه المادة أصله غريب على اللغة التي يراد تدريسها ، فكيف يدرسها هو ؟
5 -أن تدريس هذه المادة وإقرارها ما هو إلا بهرج يتزين به البعض ليظهر أنه قدم شيئاً .
6 -لازالت الأمم قوية متماسكة ما قامت بالمحافظة على تراثها دون تغيير أو تمييع لتعيش عزيزة منيعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون . ا.هـ .
ولله درّ الرافعي حينما قال في وحي القلم: وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها ، وبهذا لا يعرفون للأشياء الأجنبية موقعاً إلا من وراء حدود الأشياء الوطنية ، ولو أخذنا - نحن الشرقيين- بهذا لكان وحده علاجاً حاسماً لأكثر مشاكلنا ، فاللغات تتنازع القومية ولَهِيَ -واللهِ اختلال- عقلي في الشعوب التي ضعفت عصبيتها ، وإذا هانت اللغة القومية على أهلها أثرت اللغة الأجنبية في الخلق القوي ما يؤثر الجو الأجنبي في الجسم الذي انتقل إليه وأقام فيه .
7 -وأقل ما في تدريس هذه المادة"أنه من المحاكاة ، وأنه من مظاهر الذلة والضعف ، وتبعية المغلوب للغالب ، والمسلم مطالب بالعزة والأنفة من التبعيات الماسخة المجردة من العوائد النافعة"من كلام بكر أبو زيد في تغريب الألقاب العلمية ص 25 .
8 -خطر الوافد المدرس على دين الأطفال وأخلاقهم ، حيث إنهم من بلاد شتى ، ومنها ما هو غير مسلم ، بل وغير كتابي ، ولا ننسى خطر رسائل التبشير ، والناس اليوم تحاذر خطر الخادم على دين الأطفال وأخلاقهم ، وشكواهم ظاهرة للعيان ، هذا والخادم ليس محل القدوة ، فكيف إذا كان المعلم هو الخطر ؟ وهو بمقام العلو ، وله المكانة ، وظاهر الغلبة على المتعلم ، وعند الطفل هو مقام القدورة والأثر عليه .