فهرس الكتاب
5-كثير من السلبيات يتحملها اكثر من طرف، فهناك أكثر من مسئول عن السلبية الواحدة، وإذا كان هناك طرفان حكومي وشعبي، فإن كل طرف يحاول ان يلقي المسئولية على الطرف الآخر فإذا سألت طالبا فاشلا عن سبب فشله اتهم بعض مدرسيه أو الناظر، وإذا سألت امرأة مطلقة عن سبب فشل زواجها اتهمت زوجها بأنه السبب، وكذلك يفعل الزوج. ولو سألنا شعوبنا لماذا لا نجد التقدير المناسب للعلماء والمفكرين لألقوا اللوم على الحكومات بأنها لم تشجعهم معنويا وماديا، وقد يكون هذا صحيحا، وقد لا يكون، ولكن الصحيح أن كثيراً من
العلماء والمفكرين ينتقلون من بلد إلى بلد، فلا يعرفهم أحد، بل إن بعضهم مجهولون حتى في بلادهم، وكثير من كتبهم لا يقرأها إلا قلة، ولا تحقق ربحا في حين نجد أشرطة غنائية أو أفلاماً لممثلة تافهة تحقق أرباحاً طائلة، ونجد المعجبين يستقبلون الممثلة في المطار، والأسواق، ونجد تذاكر حفلة لراقصة تنفذ خلال ساعات ويحق لنا التساؤل لماذا هذا التأييد الشعبي ومن أجبر الشعوب على أن تتجاهل العلماء؟ وسنصل في النهاية إلى الاقتناع بأن كثيراً من أوراق الواقع هي بيد الشعوب.
6-هناك إرث تاريخي مشوه يربط بين التغيير نحو الأحسن وبين الثورات والانقلابات، وهذا التأثير التاريخي نابع من التاثر بالثورة الفرنسية وشعاراتها الجميلة، وبالثورة الروسية الشيوعية وبثورات وانقلابات قديمة وحديثة في تاريخنا وهذا جعل كثيراً من الشباب يقتنع بأن التغيير نحو الأحسن يجب ان يبدأ بالثورة والعنف، وحتى أصبحت هذه من البديهيات الإصلاحية، ولكن هل كانت الثورة الشيوعية تغييراً نحو الأحسن أم أنها كانت تغييراً نحو الأسوأ بعد أن ثبت فشلها بعد سبعين سنة من التطبيق في روسيا؟ أما الثورة الفرنسية فقد كانت لها ايجابيات كبيرة وكذلك سلبيات كبيرة فالثورة لا تؤدي بالضرورة للتغيير نحو الأحسن، ولو كانت كذلك لكانت أغلبية أنظمة الحكم في العالم عادلة ومثالية لأن التغييرات العنيفة موجودة في كثير من الدول، فالعنف قد يؤدي إلى التغيير نحو الأحسن أو الأسوا أو يبقى الأوضاع كما هي، ومن الملاحظات أن هناك اقتناع بأن إزالة نظام حكم ظالم ستؤدي حتما إلى إيجاد نظام أفضل، وقد يكون ذلك راجعا لفطرة الناس المتفائلة، لكنهم لو صبروا خمس أو عشر سنوات على الحكم الجديد لربما اقتنعوا أنه لم يكن تغييرا نحو الأفضل، فالحكم على تغيير عنيف أو سلمي بانه إيجابي أو سلبي عملية تتطلب التعرف على حقائق كثيرة عقائدية وسياسية واجتماعية واقتصادية قبل التغيير وبعده وهذه من الأمور الصعبة لأن هناك أسرار، ونادراً ما نجد الموضوعية والعلم فيما يكتب من آراء وكتب ودراسات، فكثير من التغييرات التي حدثت في عالمنا العربي لا زلنا مختلفين حول إيجابياتها وسلبياتها، ونحن بحاجة إلى رفض التسليم بأن هناك علاقة إجبارية بين التغيير نحو الأحسن وبين العنف والثورة، وبحاجة إلى تسليط الأضواء على التغيير نحو الأحسن الذي يحدث في أوضاع سلمية وهو موجود في كثير من الدول وأنتج أمناً واستقرارا وتقدماً اقتصادياً وحكمة، ونحن لا نتطرف في تبني المفهوم السلمي للإصلاح ولا ننفي أهمية الجهاد ولكننا نؤمن بأن الإصلاح السلمي هو القاعدة وأن الجهاد يجب أن يكون في مكانه الصحيح ونؤمن بأن البقاء في الحكم أو الخروج من يخضع كأي عمل آخر لأسباب إيمانية ومادية، فقد يبقى الله سبحانه وتعالى الحكومة الظالمة كجزء من الإمهال، أو كعقوبة لانحرافات شعبية، فالله سبحانه وتعالى هو المتحكم بالأمور، وقد رأينا أنظمة حكم تنهار في كثير من الدول في هذا القرن مع أخذها بكثير من الأسباب المادية، فأجهزتها الأمنية متطورة، وصرفت الكثير من المال في كسب الولاء العسكري والمدني، ومكرت في الإعلام والسياسة، ولكن عندما أذن الله سبحانه وتعالى بخرابها جاءها الدمار من عدو خارجي، أو مؤامرة عسكرية، أو ظروف سيئة، أو اغتيال أو مرض خطير، أو غير ذلك قال تعالى: ?قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير? (26) (سورة آل عمران) .
نصيب أي أمة من التقدم والسعادة يعتمد على رصيدها من العلم والعمل والإخلاص. ولأننا من المقتنعين بأن ما نشاهده في واقعنا من خير وشر هو ما نستحق وهو مرتبط بما عندنا من علم وجهل، ومن عمل وكسل ومن إخلاص ونفاق كشعوب وكحكومات وبأن التأثير الأكبر في الواقع راجع للشعوب، فمن الواجب أن نقدم الأدلة التي تثبت بأن هناك تخلفاً علمياً شعبياُ ساهم بصورة كبيرة في جزء كبير من التخلف والشقاء والتفرق الذي نعيشه وإليكم الأدلة: