فهرس الكتاب
ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضا عيانا (1)
ومما جعل هذه الحقائق تغيب عن كثيرين أن كثيراً من الحكومات لا
ـــــــــــــــــ
(1) عياناً: مشاهدة.
تنتقد شعوبها بل تمدحهم وتجاملهم، وتعتبر ذلك جزءا من السياسة الحكيمة والمفروض أن تقول لست وحدي المقصرة فأنتم مقصرون، ولكم أخطاؤكم وانحرافاتكم، فنوعية الأبناء التي نشاهدهم تثبت أنكم قصرتم كثيراً في تربيتهم، وكثير جدا من المدرسين والموظفين والعمال لا يؤدون حتى نصف المطلوب منهم ولا يتقنون أعمالهم ونسبة مرتفعة من التجار لا تدفع زكاة أموالها، ولا تهمها المصلحة الوطنية، أما أعداد المنافقين فحدث عنها ولا حرج!!! وقد كان أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يقول:"كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد". وقد قال عبدالملك بن مروان على المنبر:"ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة ابي بكر وعمر ولم تسيروا في انفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر، أسأل الله أن يعين كلا على كل".
2-أدت عوامل سياسية وشخصية ونفاقية إلى إرجاع أي إنجاز طيب إلى مجهود الحكام والحكومات، وتهميش أو إلغاء الدور الشعبي مع أنه الأصل، فهم العمال والإداريون والمهندسون لهذه الأعمال، فالحكومات أضافت إلى رصيدها أكثر بكثير من حقها، وأضافت إلى عضلاتها عضلات وهمية كبيرة، فكسبت ثناء زائفاً، فكان من العدل ومن شؤم هذه المعصية أن ينسب كل انحراف أو خطأ أو فشل إلى الحكومات، وأدى الاستبداد كذلك إلى إيجاد بيئة ملوثة انتشرت فيها الإشاعات والحكايات التي تشوه الحكومات، قال الأستاذ حسين أحمد أمين:"ولا ريب عندي في أن ضخامة التوقعات التي تعلقها الرعية على كل عهد جديد مع افتقارها إلى كل من الواقعية والمنطق تنطوي على إجحاف شديد بالحاكم الوافد. والواقع أن الاستبداد والمركزية المفرطة في نظم الحكم في كثير من الدول الإسلامية هما المسئولان عن توهم الشعوب أن كافة شئون حكمهم منوطة بإرادة الحكم، وأن تغيير الحكومة لا بد أن يؤدي إلى تغيير في كافة هذه الشئون، وغالبا ما تنسى هذه الشعوب أن الحاكم إنما يرث عن سلفه تركة مثقلة بالدين، وأن الكثير من المشكلات قد لا يكون له علاقة بالحكومة ذاتها" (1) .
3-الحكومة هي شيء واضح ومحدد له سلطاته ومجالسه وقراراته المعلنة، ولكن الشعوب وخاصة في الدول النامية غير ممثلة في مجالس نيابة إلا ما ندر، فكأنه لا حول لها ولا قوة وهذه الصورة الظاهرية ليست صحيحة، فالشعب هو الموظفون والجنود والأحزاب والجماعات والجمعيات فهو موجود، ويشارك في صناعة الواقع بأفعاله وأقواله وعقائده. فعدم وجود مؤسسات شعبية رسمية، أو عدم وجود قرارات شعبية معلنة ليس معناه أن الشعوب غائبة بل معناه أنها لم تطالب بحريتها وأن القوى الشعبية مختلفة لا تتفق على قرارات وكثير من أوضاع الدول النامية تثبت أن جزءاً من الشعب هو الذي يسيطر وينفرد في القرار، أي أن الحكومة ذات جذور شعبية سواء كانت هذه الجذور حزباً شعبياً أو عرقاً، أو طبقة أو طائفة، أو غير ذلك، ونادراً ما توجد حكومة لا تنال تأييد بعض القوى الشعبية. وعموما فالحكومات المخلصة والذكية هي التي تعطي دوراً كبيراً وبارزاً للشعوب في المناصب والمصالح والقرارات لأن في ذلك فوائد كثيرة لعل أهمها أن تُبعد بعض اصابع الاتهام الظالمة عنها.
4-غالبا ما تكون القوى الشعبية السياسية بعيدة عن السلطة والمال
والعمل وقريبة من الشعارات والكلام والخيال، ولا شك أن أغلب أو كثيراً من القوى الشعبية تجيد الخطب وإعطاء الوعود، والعزف على أوتار الإصلاح، ومصالح الشعوب ولكن هذا لا يعني أن كلها مخلصة وواعية وذكية ونشيطة، وانها لو وصلت إلى الحكم فسوف تحقق المعجزات، وهذا ليس تجنياً عليها، بل هو واقع شاهدناه مراراً، فكثير من القوى الشعبية
ــــــــــــــــــــ
(1) ص 137 دليل المسلم الحزين - الأستاذ حسين أحمد امين.
وصلت للحكم، ولكن تحول كثير من قادتها إلى مستبدين ومجرمين ولصوص، فالصورة المثالية للقوى الشعبية ليست صحيحة إذا سلطنا عليها نار المناصب والمال والشهرة. فالصورة المثالية للقوى الشعبية جعلتنا نراها أجمل مما هي عليه، وجعلتنا نرى الحكومات بأقبح مما هي عليه، فالأولى تشق طريقها من خلال الكلام الجميل، والثانية تصطدم في سيرها بواقع مرير وهذا جعل الكثيرين يظنون أن الحكومات هي العائق أمام التطور والتقدم. وندعو إلى تشجيع القوى الشعبية للانتقال من الحياة في عالم الشعارات الجميلة إلى عالم العمل والإنتاج والمواقف المحددة والتصورات الواضحة ونحن لا نريد أن نحرج أحداً أو ندعو للتشاؤم، ولكن نريد أن نرى الواقع بصورة صحيحة ونريد أن تتطور القوى الشعبية من خلال العمل ولنتذكر قول الشاعر:
ما أكثر الأصحاب حين تعدهم لكنهم في النائبات قليل