فهرس الكتاب

الصفحة 22804 من 27364

3-يستطيع الإنسان إحداث تغييرات جذرية في علمه وأخلاقه وأعماله، ولكنه غالبا لا يستطيع إحداث تغيير جذري واحد في حياة ابنه أو أخيه أو زوجته، والأمر أصعب لو حاول إحداث هذا التغيير في جيرانه أو منطقته فكلما اتسعت الدوائرة ضعفت قدرة الفرد على إحداث التغيير لأن للآخرين آراهم ومصالحهم وتجاربهم الشخصية، وكذلك الأمر مع الحكومات، فقدرة الحكومة على تغيير بعض أجهزتها وموظفيها قد تكون ممكنة ولكن قدرتها على تغيير عقائد وبرامج واقتناعات أحزاب وجماعات وقبائل وطبقات اجتماعية هي قدرة محدودة، وحتى هذه القدرة المحدودة منطقياً وطبيعياً قد تضعف إذا عارض محاولة استخدام هذه القدرة أعداء خارجون أو أوضاع سياسية معينة. وكثير من الحكومات تقتنع بأفكار وقرارات سياسية أو اقتصادية ومع هذا لا تستطيع التصريح بها خوفا من الثورة الشعبية. وأغلب هذه الحكومات تحاول الحصول على تأييد شعبي لما تريد عمله فإذا نجحت طبقت أفكارها، وإذا فشلت تخلت عنها، وهذا يثبت أن قرارات الإصلاح أغلبها بيد الشعوب فإذا كانت الشعوب تخاف من الحكومات، فكذلك الحكومات تخاف من الشعوب!!

4-لم تأت القوة الاقتصادية الهائلة في الولايات المتحدة من عمل واجتهاد الحكومة وإنما جاءت من نشاط الشعب وشركاته، فالشعب الأمريكي شعب نشيط، والشركات والمؤسسات كلها تقريبا أهلية، وميزانية الحكومة الأمريكية تأتي مما تأخذه من الشعب من ضرائب، أى أن غنى الغرب مصدره شعبي، وليس حكومياً، فالشعب الأمريكي أدرك أن قوة الدولة هي في عضلاته لا عضلات الحكومة، وإدراكه لهذه الحقيقة جعله يحقق نتائج هائلة في كثير من المجالات، والواقع الأمريكي هو واقع واضح ومكشوف، تظهر فيه العلاقات واضحة بين الأسباب الحقيقية والنتائج، والشعب الأمريكي ليس فقط أغنى من الحكومة، بل هو أيضا أقوى منها، ويغير حكامه وحكوماته كما يشاء، ويعاقبهم إذا انحرفوا، ولو كانت الحكومة أقوى منه لما تخلت عن السلطة، ولكنها تعلم أنها أضعف بكثير من شعب متحد واع، فالتقدم السياسي والاقتصادي الامريكي هو من صنع الشعب، وكذلك ايضا بالنسبة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وفي نفس الوقت التخلف العقائدي والاجتماعي الأمريكي هو أيضا من صنع الشعب، ولا زالت وللأسف أغلب شعوبنا تعتقد أن الغنى سياتي بقرارات حكومية، وتطالب الحكومات بأن توفر لها المأكل والمسكن والملبس والتعليم والعلاج والوظائف، والحكومات لا تستيطع أن تفعل كل هذا حتى الغنية منها، لأن الموارد المالية مهما كبرت فهي صغيرة جداً أمام احتياجات الشعوب.

5-لنفترض أن عندنا قريتين وكان أهل القرية الأولى نوعية متميزة من البشر، أخلاقهم عالية ويحبون بعضهم البعض ويشغلون أوقاتهم بالعلم والرياضة والعمل وتربية الأبناء في حين أن أهل القرية الثانية منحطون أخلاقياً،

وإنتاجيتهم ضعيفة، وينتشر فيهم الطمع والنفاق والحسد. ولنفترض أننا

أرسلنا حكومتين صالحتين لهاتين القريتين ثم زرناهما بعد عام،

فمن المتوقع أن نجد أن حكومة القرية الأولى وشعبها حققوا نتائج طيبة،

وإنجازات رائعة، في حين أن إنجازات حكومة القرية الثانية وشعبها

محدودة، هذا بالإضافة إلى منازعات وصراعات أو حروب أهلية، وسنجد وزيرا في الحكومة يشكو من انه لم يجد من يتبرع لمشروع مستوصف فأهلها بخلاء، وسنجد وزيراً آخر يشكو من أن الاختلاسات افقرت ميزانية وزارته، وهكذا في حين أن العكس حدث مع حكومة القرية الأولى، وإذا أضفنا على أهل القرية الأولى بعض الانحرافات وإلى أهل القرية الثانية بعض الفضائل حتى نجعلهم بشراً لا ملائكة، ولا شياطين، فإن توقع مثل هذه النتائج يثبت أن أغلبية الواقع من صنع الشعوب.

لماذا اتهموا الحكومات؟

إيماننا بأن الحكومة هي صورة في المرأة لجسم متحرك أمامها اسمه الشعب، فإذا كانت الصورة قبيحة فعلينا إصلاح الشعب لا تحطيم المرآة، لأن أي مرآة جديدة ستعطينا نفس الصورة السابقة، هذا الإيمان يكفر به كثيرون لأن الحكومات عندهم مذنبة ومسئولة عن كل سلبيات الواقع، والشعوب بريئة وواعية وصادقة، ونشيطة والاختلافات بيننا جاء في اعتقادنا للأسباب التالية:

1-تسلط الأضواء على أقوال وأفعال الحكومات مما يجعل إيجابياتها وسلبياتها معروفة للقريب والبعيد، وبما أن للسلبيات ثمناً كبيراً عند الشعوب، وخاصة عند من يحاكمون الواقع بمقاييس مثالية، فإن من السهل في كثير من الأحيان إثبات السلبيات والأخطاء والإنحرافات الحكومية أما سلبيات الأفراد والجماعات والأحزاب والقبائل والشعوب فنادراً ما تسلط عليها الأضواء لأسباب اجتماعية وسياسية وقانونية، وإذا سلطت فننسى أنها سلبيات شعبية، فالشجاعة الأدبية مفقودة، ونحن نعلم أن كثيراً من الحكومات لا تلتزم بالمبادئ، ونعلم أيضا ان كثيرا من الأحزاب والجماعات والشعوب يفعلون ذلك، فينحرفون نتيجة مصالح أو جهل أو ضعف أو كسل، وغير ذلك. ولو سلطنا الأضواء على بعض هذه السلبيات الشعبية لأصبحنا منبوذين. ألم يقولوا قديما"لوقلت الحق لأبغضوك"ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال:

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت