نحن نطالب بالتغيير الحقيقي وليس الظاهري، فتغيير الحكام والحكومات والشعارات والأفراد ليس دليلاً على أننا نجحنا في الإصلاح، فبعض الدول تكون منحرفة إلى اليسار بدرجة ثلاثين درجة، ثم بعد التغيير الظاهري نجدها تنحرف ثلاثين درجة إلى اليمين، فتختفي سلبيات الحزب الواحد، وتظهر سلبيات تعدد الأحزاب، وتختفي إيجابيات يسارية، وتظهر إيجابيات رأسمالية، والمحصلة النهائية هي:كأنك يا أبو زيد ما غزيت"فالتغيير الظاهري هو انتقال الحكم من مدنيين إلى عسكريين، أو مدنيين آخرين، أو العكس أو تغيير وزير أو مدير أو ناظر مدرسة أو رئيس حزب، والتغيير الحقيقي هو الذين يكون في عقائد الشعب وإنتاجية الموظفين وإخلاص المدرسين واجتهاد الطلاب... الخ ونحن الشعب والموظفين والمدرسين والطلاب فلنقنع أنفسنا بأن نتغير إلى الأفضل، ونقول للذين يطالبون بالإمام العادل، والحكومة العادلة، إن هذا لن يتحقق إلا إذا قمنا كشعوب بإنشاء أحزاب عادلة وجماعات عادلة، وقبائل عادلة وأسر عادلة، وأفراد عادليين وصحفيين موضوعيين... الخ. وإذا عجزت الشعوب عن حمل واجباتها ومسئولياتها، فإن الحكومات ليست لديها القدرة على تغيير نفوس الشعوب، وإليكم بعضا من الأدلة التي تثبت هذا الرأي:"
1-جعل الله سبحانه وتعالى أمور الحياة الدنيا تسير حسب سنن إيمانية ومادية من أخذ بها نجح كليا أو جزئيا بحسب ما أخذ ومن هذه السنن أن الله لم يعط الحكومات قدرات هائلة، أو أقوى مما أعطى الشعوب، فكم حكومة حاولت أن تستمر في الحكم فلم تنجح، وكم حكومة واجهت مشاكل اقتصادية فلم تدر ما تفعل، وهذا الضعف والفشل والحيرة تثبت أن قدرتها محدودة، فالحكومات في
الغالب لا تزيد قوتها على تغيير الواقع نحو الأفضل أو الأسوأ عن نسبة 20% فكل سلطة سواء كانت حكومة أو مديراً أو ناظراً أو رب اسرة أو قائدا عسكرياً ستواجه الضعف أو الفشل إذا قال لهم مرؤسوهم"لا"فالضابط لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا تمرد الجنود. والأب لا يستطيع
فرض قناعاته على أبنائه الكبار.... الخ، وإذا وجدت مؤسسات أو تكتلات سياسية تتحكم بها الحكومات فأغلبها هي مؤسسات صورية غير شعبية. فالأبناء والأحزاب والجماعات... الخ يتحركون بناء على عقائدهم ومصالحهم واقتناعاتهم، وكثيراً ما تذهب نصائح الأب أدارج الرياح مع وجود الاقتناع بصدقه وإخلاصه، وكذلك تفعل الشعوب حتى مع الحكومات المخلصة، فكيف مع التي لا تكون كذلك؟ فالحكومات لا تصنع الشعوب. وحتى لو وجدت حكومات إسلامية وحاولت فرض الاقتناع والايمان على الشعوب فإنها لن تنجح، وليس صحيحا أن الشعوب ستلتزم بالإسلام إذا كان هناك إعلام إسلامي وقوانين إسلامية، فالشعوب إذا أرادت أن تنحرف عقائدياً أو أخلاقيا فإنها ستنحرف حتى لو حاولت الحكومات أن تردعها، فالانحرافات تحدث من الأفراد والشعوب لأن هناك ضعف إيمان، ومما يثبت هذا أن الفرد الملتزم يتمسك بدينه حتى في أوربا وامريكا حيث كل المغريات متاحة، ولا توجد قوانين إسلامية، فمن لا يعبد الله شكراً لنعمه ورغبة في جنته وخوفا من ناره، هل سيعبده لأن الحكومة أمرت بذلك خاصة وأن كل إنسان عاقل يعلم أن إمكانيات الحكومة في الترغيب والترهيب ضعيفة مهما كبرت.
2-يعلم من لديهم خبرة في العمل الحكومي أن صلاحيات الوزير
أو وكيل الوزارة محددة بحكم الدستور والقانون والتوزان الاجتماعي
والسياسي فبعض الوزارء لا يستطيع فصل موظف صغير مهمل إذا كان لهذا الموظف علاقات سياسية أو اقتصادية قوية، وما دام الوزير لا يستطيع أن يكافئ ويعاقب ويغير القوانين واللوائح كما يشاء فإنه لن يستطيع تغيير الواقع كما يشاء. والحكومات هي مجموعة من الوزارات، وكل وزارة
أو مؤسسة حكومية هي أفراد متنوعون في أفكارهم وعقائدهم ومصالحهم وأصولهم العرقية والطبقية، فهناك مراكز قوى تتنافس، وهناك تكتلات إدارية أو سياسية أو صداقات، وهناك اجتهادات مختلفة وصراع على المراكز، فالنوايا والأعمال والاجتهادات لا تسير كلها في مصلحة الوزير أو الحكومة. وهذا يثبت أن الجهاز الحكومي صورة مصغرة من واقع الشعوب، فموظفو الحكومة هم أبناء الشعب، تأثروا بعقائده وقيمه وأعرافه، فالتصور بأن لدى الوزارء من الصلاحيات والإمكانيات والجنود (الموظفين) ما يؤهلهم لإحداث تغييرات جذرية كثيرة في الواقع، أو حتى في وزاراتهم هو تصور خاطئ. ونجاح أي وزارة أو شركة هو أساساً في نوعية شعبها (الموظفين) ، وهذا ما أدركه مدير شركة أجنبية ضخمة عندما وجد صعوبة في أن يؤدي كل الأعمال المطلوبة منه، فقد اقتنع أن أساس النجاح هوأن يحرص على توظيف المتميزين، وهؤلاء يتقنون أعمالهم، وبالتالي فستنجح الشركة، وكذلك الحكومات تنجح إذا كان الشعب وموظفوها متميزين. وقال مدرب كرة قدم: أعطني لاعبين متميزين أعطيك خططا ناجحة.