إدريس الكنبوري / المغرب 17/3/1426
المتابع لما يجري في منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام سوف يجد أن هناك عدة تحولات ترتسم في الأفق وترسم منظرا أسود اللون للمنطقة العربية، إلى حد أن لا أحد يتنبأ بما قد يحدث في الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة، وأزعم أنه حتى الحكام العرب أنفسهم، باتوا لا يعرفون الوجهة التي تسير فيها الأمور، وأين ستستقر غدا، وما هي الاختيارات الممكنة.
في الأيام الماضية شكلت الزيارة التي قام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لواشنطن تكريسا للتحالف الاستراتيجي التام بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية،حصل بموجبه شارون، أو البلدوزر كما تطلق عليه الصحافة العربية على ما كان يطلبه باستمرار، وهو مصادقة البيت الأبيض على سياسته اتجاه السلطة الوطنية الفلسطينية، وخطته أحادية الجانب بالانسحاب من قطاع غزة، والبقع الاستيطانية في الضفة الغربية، والموقف الإسرائيلي من القدس الشرقية. وبخلاف بعض القراءات المتسرعة التي تعاملت مع تصريحات جورج بوش من داخل"العقل"الأمريكي نفسه، وحاولت أن توهم القراء بأن الأمر يتعلق بخلاف حقيقي لساكن البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي البدين، ورفض أمريكي لسياسة الاستيطان، فإن الواقع لا يقول أكثر من أن الأمر مجرد تضليل للعرب ومسرحية أخرجتها الإدارة الأمريكية وزعت فيها الأدوار بين الرجلين، حتى يبدو أن هناك مواجهة بين بوش وشارون بشأن قضايا الاستيطان لفائدة السلطة الوطنية الفلسطينية والتسوية السياسية للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وهذا ليس مجرد استنتاج من خلال الأخبار والتصريحات، بل هو أيضا ما صرح به علنا الناطق الرسمي باسم الخارجية الإسرائيلية والسفير الإسرائيلي السابق في باريس ليومية"لوفيغارو"الفرنسية يوم الثلاثاء الماضي، فقد كشف الرجل عن وجود مراسلات سرية بين شارون وبوش وافق فيها الرئيس الأمريكي على مطالب شارون حول الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية التي تفصل بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، بما يقود سلفا إلى منع إنشاء دولة فلسطينية متصلة جغرافيا، كما وافق فيها بوش على أن لا يكون هناك أي تراجع إسرائيلي إلى ما وراء خطوط 1967. ولا شك أن مثل هذه المواقف الأمريكية تقضي تماما على ما تعهد به جورج بوش نفسه للعرب والفلسطينيين قبل عامين من خلال ورقة خارطة الطريق، وما أطلق عليه"وديعة بوش"التي تؤكد من خلالها الإدارة الأمريكية على قيام دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل.
لكن جورج بوش الذي خرج عن تعهداته للعرب والفلسطينيين وأمطر صديقه شارون بكل الهدايا التي كان ينتظرها، لم يخرج عن تلك التعهدات التي قدمها لرئيس الوزراء الإسرائيلي منذ ولايته الأولى في البيت الأبيض عندما أطلق عليه قبل ثلاث سنوات لقب"رجل السلام". فما يقوم به شارون بالنسبة لبوش هو محاولة لصنع السلام مع الفلسطينيين، فيما يبدو هؤلاء واقفين في الصف الرافض للعروض الإسرائيلية، وهذا نفسه ما روج له شارون أثناء زيارته إلى واشنطن في الأسبوع الماضي، إذ وجه انتقادات قوية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على اعتبار أنه ما يزال بعيدا عن التقدم نحو المشروع الإسرائيلي المعروض للتسوية، وشن حرب على فصائل المقاومة المسلحة، فيما تستمر الجرائم الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية تحت سمع وبصر المسؤولين الأمريكيين والعالم.
لقد دخل شارون إلى قلب بوش من نفس الباب الذي يحب هذا الأخير أن يدخله الجميع، وهو محاربة الإرهاب. وقد قضى السنوات الماضية كلها يبرر سياسته ناحية الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بهذا الأمر، وانتهى ذلك إلى قبول أمريكي رسمي لسياسة عزله من طرف الحكومة الإسرائيلية ثم محاصرته في مقر المقاطعة برام الله طيلة السنوات الأربع الأخيرة من عمره. ولذلك ليس غريبا أن يتم هذا التقارب الواسع بين الرجلين ليشكلا مخلوطا سياسيا خطيرا يتهدد المنطقة ويحاصرها من كل جانب، إسرائيل من داخل المنطقة وفي قلبها، وواشنطن عبر النافذة العراقية المطلة على سوريا وإيران والدول المجاورة.
المثير هو أن الكتابات الصحفية، سواء منها العربية أو الغربية، بل حتى الإسرائيلية، لا تأتي أبدا على ذكر العرب في كل القراءات التي تقدمها للتحولات الحاصلة في المنطقة، اللهم الا باعتبارهم ضحايا أو مفعولا بهم. فهو غائبون عن مسرح الأحداث وغير فاعلين فيها، أما ما سمي بالمبادرة العربية للتطبيع أو التسوية مع إسرائيل ، فهي غير موجودة إلا في أذهان صانعيها، بالرغم من أن ما يتم تحضيره للمنطقة يمس المستقبل العربي في الصميم ويحدد أشكال هذا المستقبل، وربما ينبئ من الآن بميلاد مولود مشوه الخلقة قد يجر المنطقة برمتها نحو الهاوية السحيقة.