بقلم/ د. ناوكي كومورو ترجمة: ميسرة عبد الراضي عفيفي/ طوكيو 13/8/1426
التعامل مع حركات الصحوة (الإسلامية) على أنها هوس ديني يعبر عن جهل أمريكا
الذي جعل الأصولية المسيحية تشتهر بشدة هي (المونكي ترايال) أو ما يمكن ترجمتها ب:محاكمات القرد.
وهي المحاكمات التي تتعلق بنظرية التطوّر.
أحد معلمي المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية درّس لطلابه في المدرسة دروساً تعلمهم نظرية النشوء والارتقاء مما جلب عليه غضب أولياء الأمور، وانتهى الأمر بفصله من وظيفته، فرفع هذا المدرس قضية مطالباً اعتبار هذا الفصل فصلاً تعسفياً، و طالب بإعادته إلى عمله.
هذه هي البداية.
في هذه المحاكمة القضية التي أصبحت محل النزاع بلا جدال هي: ماذا يقول الكتاب المقدس؟
الكتاب المقدس يقول: إن الله هو خالق الإنسان. ومع هذا يأتي من يقول كلاماً فارغاً مثل: إن القرد قد تطور فأصبح إنساناً. من هنا جاءت تسمية: محاكمات القرد.
أول هذه المحاكمات حدثت في ولاية أركانسو في العشرينيات من القرن الماضي، لكن اللافت للنظر هو تكرار هذا النوع من المحاكمات بعد ذلك أكثر من مرة.
مؤخراً في ثمانينيات القرن العشرين حدث جدال واسع في أمريكا حول: هل يجب تدريس نظرية التطور أم لا؟
كما وضحنا (الأصولية المسيحية) شيء وثيق الصلة بالنسبة للأمريكان. لذلك عندما رأوا الثورة الإيرانية لا شعورياً أصدروا حكمهم السريع والجاهز بأنها نوع من أنواع (الأصولية المسيحية) .
ونستطيع أن نتخيل أنهم في أعماق قلوبهم يحملون تصوراً خاطئاً مفاده: إن"محاولة إعادة المجتمع الإسلامي الذي كان موجوداً قبل أكثر من ألف عام هو شيء لا يفكر فيه إلا المهووسون الدينيون الذين يرفضون العلوم الحديثة."
بالفعل عندما حدثت الثورة الإيرانية قال الرئيس الأمريكي جيمي كاتر وكرّر أقوالاً تستند إلى هذا التصور الخاطئ. كرر أكثر من مرة القول: إن من قاموا بهذه الثورة هم أناس مجانين لديهم هوس ديني. أيضاً وسائل الإعلام الأمريكي والأوروبي كررت بث المعلومات التي تكوّنت من نفس التصور.
في الأصل الفاندمنتاليست fondementalisme (الأصولي) في المسيحية هو من يضع المشكلة في الإيمان القلبي فقط. و (الأصولي) في المسيحية هو من يؤمن بكل ما هو مكتوب في الكتاب المقدس كما هو. أي أنه ليس (للأصوليين المسيحيين) أي قوانين خاصة بهم.
في المقابل، إذا نظرنا إلى الإسلام على أي وجه من الوجوه، لا سبيل فيه إلى ظهور (أصولي) يدعي أن من يؤمن فقط بالقرآن (دون عمل) سيفلح.
القرآن نفسه يدعو المؤمنين به إلى الفعل الخارجي، بمعنى أن القرآن يطالب بالمحافظة على أوامره ونواهيه.
وبذلك فظهور (أصولي) على الطريقة المسيحية هو شيء غير وارد على الإطلاق في الإسلام. لكن الغربيين -وخاصة الأمريكيين منهم- لا يعلمون بدائيات البدائيات في الإسلام هذه، ثم يتعاملون مع حركات الصحوة الإسلامية على أنها حركات لأناس متخلفين ومهووسين دينياً.
وبناء على هذا فإن عدم اعتراض العالم الإسلامي على هذه المعاملة يكون هو الشيء المستغرب.
إن المسلمين ليسوا مهاويس دينياً على الإطلاق. إنهم يعانون بجدية من وضعهم الراهن، ويحاولون عمل حركة تصحيحية تعود بهم إلى الأصول. وهو ما لا ينبغي تشبيهه بالأصولية المسيحية، بل يجب على العكس تشبيههم بجون كالفن ومارتن لوثر.
بالطبع فيهم بعض المتطرفين لكن التعامل مع حركات الصحوة الإسلامية جميعها على أنها كلها حركات تطرف، سيزيد حقد العالم الإسلامي على أمريكا، ولن يحدث أي تفاهم بينهما أبداً.
حرب الخليج زادت من عقدة الحروب الصليبية لدى المسلمين:
الحروب الصليبية لها دلالة خاصة لدى المسلمين
يعاني العالم الإسلامي حالياً بسبب التناقض بين دخول العصر الحديث وبين العودة إلى الأصول.
ماذا فعل العالم الغربي إزاء ذلك؟
هل تفهّم معاناة العالم الإسلامي هذه وحاول أن يقدم له يد المساعدة؟
هيهات.
هؤلاء المسيحيون ما فعلوه هو شيء شبيه بتكديس الملح في قلوب المسلمين الدامية.
حرب الخليج التي بدأت أحداثها عام 1990 كانت كذلك.
دراسة وتحليل هذا الحادث الضخم، عرضته في كتابي"انتقام العرب"لذلك سأختصر التفاصيل هنا، لكن التصرف الذي قامت به أمريكا هو بالفعل السبب في استعادة صورة الحروب الصليبية لدى المسلمين.
ألا وهو وطء الجيش الأمريكي الأراضي السعودية والبقاء فيها. بالنسبة للمسلم لا توجد إهانة أكبر من ذلك؛ لأن السعودية توجد بها الأماكن المقدسة للمسلمين مكة والمدينة.
هذه صدمة لهم أكبر من صدمة الحروب الصليبية.
في الماضي حتى الجيوش الصليبية لم تجرؤ على الاقتراب من مكة أو المدينة. حقاً القدس ثالثة المدن المقدسة، لكن حرمتها لا تقارن أبداً بهاتين المدينتين مكة والمدينة.
الويل لأمريكا.
لا داعي للقول: إن كل مسلم لديه قلب، انتشر داخله الحقد على أمريكا.
بعد ذلك أعلنت بعض المنظمات الإسلامية بدء الجهاد ضد أمريكا.
نظرية صدام الحضارات لن تفهمنا القضية في وضعها الصحيح:
توجد فجوة حقيقية بين الإسلام والغرب.
وهي فجوة عميقة وواسعة.