فهرس الكتاب

الصفحة 26218 من 27364

سبق في الحلقة الأولى أن تحالف المسلمين، مع الحكومة الأمريكية لمحاربة الشعب الأفغاني المسلم، يعتبر من موالاة الكافرين التي نهى الله المؤمنين عنها، وأن من والاهم يكون منهم: (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) )

ونبين في هذه الحلقة أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأن الله تعالى هو وليهم، وأن الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، بعضهم أولياء بعض، وأن المنافقين والمنافقات بعضهم أولياء بعض، وأن هؤلاء هم الذين يوالون الكافرين ويتخذونهم بطانة من دون المؤمنين.

وأن من كان وليا لله ولرسوله وللمؤمنين، هو من حزب الله، وأن حزب الله هو الغالب لأن الله هو وليه وناصره، وإن ابتلي وأوذي في سبيل الله، من قبل أعداء الله.

وآيات الله في كتابه واضحة كل الوضوح في هذه الأمور كلها.

فقد ربط سبحانه بين عباده المؤمنين بالموالاة الدائمة، والسير في صراطه المستقيم، ملازمين طاعته، مجتنبين معصيته، قائمين بأمره في عباده أمرا ونهيا، مستحقين منه رحمته في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة: 71]

وقال تعالى: (( إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير(72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73 ) ) [الأنفال]

ونحن نرى اليوم معنى هاتين الآيتين ماثلا أمام أعيننا، فقد امتلأت الأرض بالفتن والفساد، بسبب فقد غالب المسلمين الموالاة التي شرعها الله لهم، وموالاة كثير منهم أعداء الله الكافرين.

فالمؤمنون عندما يحققون الموالاة بينهم ينصرون دين الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويهدون الضال، ويقيمون العدل، وينصرون المظلوم، فينالون بذلك رحمة الله، ويقودون الأمم إلى سعادتها في الدنيا والآخرة.

وحينما يفقدون الموالاة بينهم، ويوالون أعداء الله الكافرين، يتعاضدون معهم على تمكين الكفر و تثبيت المنكر، ومحاربة المعروف، وينصرون الظالم، ويخذلون المظلوم، وهاهي الأرض قد امتلأت بشتى أنواع الفساد والمنكر في كل أمور الحياة: العقدية، والعبادية، والأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والعسكرية... وفي الأحداث الظالمة المعاصرة براهين وعبر، وفي فلسطين والشيشان وأفغانستان أمثلة مشهودة.

وقال تعالى: (( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ) ) [التوبة: 67]

وقال تعال: (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون(18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19) الجاثية

لهذا نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين، وبين أنه لا يواليهم إلا من فقد الإيمان الصادق، من مرضى القلوب بالنفاق، وجعل مَن والى الكفار منهم وإن ادعى الإيمان، وأنه سيندم على موالاتهم التي ظن أنه سيتقي بها الشرور والمصائب، عندما ينصر الله عباده المؤمنين على أعدائهم، كما قال تعالى:

(( ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين(51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين )) (52)

وبين سبحانه وتعالى أنه غني عمن يوالي أعداءه، ويستبدل بهم غيرهم من أوليائه وأولياء رسوله وعباده المؤمنين، ممن يحبون الله ويحبهم، ويرفعون راية الجهاد في سبيله، لا يخافون إلا الله، وأن هؤلاء هم حزبه المستحقون لنصره، كما قال تعالى:

(( ياأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم(54) إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) (56) [المائدة]

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره:"فيه مسألتان:"

الأولى هذا يدل على قطع الموالاة شرعا وقد مضى في آل عمران بيان ذلك.

ثم قيل المراد به المنافقون، المعنى يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين.

وقيل نزلت في أبي لبابة عن عكرمة قال السدي: نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون حتى هَمَّ قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت