مجلة البيان - (ج 76 / ص 66)
أقدم التجارب العلمانية تترنح!
قراءة في الانتخابات البلدية التركية الأخيرة
د. عبد الله عمر سلطان
بعد أيام من ظهور نتائج الانتخابات البلدية في تركيا، التي انتهت بتقدم ملموس لحزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي ، زار وزير خارجية الكيان الصهيوني «شمعون بيريز» تركيا والتقى برئيسة الوزراء «تشيلر» ، وأجرى مباحثات تركزت على إحياء محور التعاون بين الدولتين في مجالات متعددة وصفتها المحللة الأمريكية «كاثي دافيس» بأنها ستغير من ملامح المنطقة إذا وجدت طريقها إلى التنفيذ ، حيث إنها ترمي فعلاً إلى قيام كيان شرق أوسطي فاعل ، يرتكز على التكامل بين الدولة اليهودية وأقدم حكومة علمانية في المنطقة، وبخاصة أن الزيارة جاءت بعد اهتزاز الثقة في قدرة النظام العلماني في أنقرة على الاستمرار كنموذج أمثل لبقية الكيانات العلمانية التي تتفاوض مع «إسرائيل» .
لقد قررت الصهيونية ممثلة في رمزها الفكري/السياسي «شمعون بيريز» القيام بخطوة أكثر جسارة ، حينما سارع إلى زيارة أنقرة عارضاً عليها ملامح مشروعه «الشرق أوسطي» ، الذي طرحه بالتفصيل في كتابه الأخير ، وركز خلال هذا الطرح على أهمية وجود ركائز مشتركة بين «إسرائيل» قطب الرحى في المعادلة ، والنظم والكيانات السياسية المرتبطة والمندمجة معها «حضارياً» ، وهذا الشرط الحضاري يقتضي وجود حد أدنى من التبعية للغرب والولاء لنظامه السياسي العلماني ، هذا النظام الذي تُعتبر تركيا أبرز وأقدم وأقسى أمثلته الراهنة.
خطان متقابلان:
إن خط الصهيونية مع تركيا قديم، ويمتد إلى ما قبل وجود كيان الصهاينة في فلسطين،ففي الذهن الصهيوني هناك مثالان متقابلان لتركيا ، أحدهما مثله السلطان عبدالحميد الذي رفض «التطبيع» مع مشروع هرتزل الصهيوني الذي كان يمثل مخرجاً «واقعياً» لمحنة السلطان والدولة المريضة في حالة موافقته على مشروع الاغتصاب لأرض فلسطين... ، وتلك تجربة لا ينساها الصهاينة أبداً لرمز الخلافة الإسلامية التي شمخت رغم ضعفها ، ورفعت جبينها والمهالك تسن أنيابها وأظافرها لتقتلعها وتزيلها من الوجود... ، أما الصورة الأخرى لتركيا فهي التي يسارع «بيريز» وأي صهيوني آخر لمد الجسور معها والتحالف والتعاون مع القائمين عليها، وتلك هي تركيا العلمانية الأتاتوركية التي كانت دوماً بمثابة النافذة التي يتسلل منها المشروع الصهيوني إلى المنطقة ، ومنذ وقت طويل... ، لذا فإن زيارة «بيريز» وكلامه أمام الأقلية اليهودية التركية عن تعاون عسكري وأمني واستراتيجي مع تركيا العلمانية «البعيدة عن التعصب» يؤخذ في إطار المحور الذي شهد تحسناً كبيراً في الآونة الأخيرة حيث تعد النخب العلمانية التركية جماهيرها لمرحلة «شرق أوسطية» يكون لليهود والأتراك العلمانيين قصب السبق والريادة فيها ، خصوصاً في ظل خصوصية العلاقة مع الغرب وأمريكا بالذات.
وفي كلام معلق الإذاعة الإسرائيلية تلخيص لخصوصية العلاقة بين العلمانية الطورانية والصهيونية البشعة ، حيث يقول: ظلت تركيا الرئة الوحيدة التي نتنفس من خلالها في المنطقة ، وظل النظام الحاكم في أنقرة صديقاً وحيداً لإسرائيل منذ البداية انطلاقاً من علمانيته الصادقة ، وتحالفه الجدي مع المشروع الإسرائيلي التقدمي ، لذا فإسرائيل تشعر بالقلق حتماً من تنامي التيار الأصولي في هذا المركز الاستراتيجي المهم ، وهي مستعدة للدخول في شراكة حقيقية للحفاظ على مكتسبات سبعة عقود من التجربة الأتاتوركية.
الأواني المستطرقة:
فوز حزب الرفاه بنسبة 6.18 % من الأصوات والحصول على المناصب البلدية في ست مدن كبرى و 22 بلدية في مراكز الولايات و 92 بلدية من بلديات الأقضية و 203 بلدية من بلديات البلدات ، مؤشر على تنامي العاطفة الإسلامية لدى الشعب التركي ، وصعود التيار الإسلامي ممثلاً في هذا الحزب في بلد مورست فيه العلمانية بقوة الحديد والنار ولأطول فترة في عالمنا الإسلامي ، فتجربة تركيا العلمانية هي الأقوى ، وهي الأكثر خبثاً وتلوناً وثقلاً فهي تجربة بدأت عام 1923 م على يد الهالك «كمال أتاتورك» الذي أتى بمشروع تغريبي إلحادي متكامل يبدأ باللغة وينتهي بلباس الرأس مروراً بالقوانين والأنظمة والتهميش القسري لهوية تركيا المسلمة.