د. عبدالله بن إبراهيم الطريقي 28/7/1424
مازال موضوع دخول الإسلاميين من علماء ودعاة ومفكرين في معترك السياسة محل أخذ ورد أو تردد من قبل كثير من الباحثين أو المتحاورين .
سواء كان هذا المعترك انتخاباً أو وظائف عليا في مجال التنظيم (التشريع) أو التنفيذ أو القضاء .
والتردد في العمل السياسي قديم, ولا سيما في تولي القضاء, ولكن ذلك التردد ليس بين الحل والحرمة, ولكن بين الجواز والكراهة من منطلق الورع.
وأساس هذا الورع ـ فيما يبدو ـ أمران:
الأول: خطورة المنصب (القضاء) ذاته.
الثاني: أن ولاية القضاء متفرعة من الإمامة الكبرى التي كان يتعاقبها خلفاء متفاوتون في العدالة؛ إلا أن الغالب عليهم الفسوق بعد الخلافة الراشدة، الأمر الذي جعل كثيراً من أهل العلم والورع يزهدون في كل منصب يرتبط بأولئك الخلفاء حذراً وخوفاً من إقرارهم على ظلمهم, أو لأن الرزق الذي يأتيهم عن طريق أولئك ليس حلالاً صرفاً في ظنهم .
بيد أن عدداً لا يستهان به من أهل العلم والفضل لم يترددوا في تولي تلك الولايات تغليباً للمصلحة.
وإذا ما انتقلنا إلى واقعنا المعاصر؛ سيبدو لنا واقع مختلف عن واقع العصور الإسلامية السابقة، ويتجلى هذا الواقع بطغيان العلمانية على مسرح الحياة بحيث اختلفت النظرة والتعامل مع الدين الإسلامي, فبعد أن كان الدين له الهيمنة الكاملة أو شبه الكاملة على تصرفات الأفراد والمجتمع, أصبح لا يكاد يتجاوز تصرفات الأفراد, إذا ما استثنينا بعض المجتمعات المسلمة, كمجتمع شبه الجزيرة العربية, هذا مع الاختلاف النسبي بين تلك المجتمعات أو الدول من حيث التزامها بالتشريع الإسلامي, أو عدم الالتزام.
وعلى رغم أن العلمنة (فصل الدين عن الحياة) منهج غريب على الأمة المسلمة, إلا أنه شاع فكراً وتطبيقاً, حتى أصبح الالتزام بتطبيق الشريعة أو الدعوة إلى التطبيق سبة أو تهمة تلصق بأهل الإسلام, وشارك في الترويج لهذه الفكرة جملة من مثقفي المسلمين.
من هنا اختلفت نظرة كثير من الإسلاميين نحو هذا الواقع المضطرب, وتكييفه، من ناظر إلى هذه المجتمعات بمؤسساتها وأفرادها على أنها انحرفت عن سبيل الهدى, وأن التصحيح لابد أن يكون جذرياً عن طريق التغيير السياسي, ثم هل يكون ذلك بالانقلاب مثلاً, أو بالمنافسة الحادة في العمل السياسي؟
أو يكون بإحداث الشغب وبث الرعب في قلوب الساسة وأعوانهم؟
وقد يكون في بعض هؤلاء من استولى عليه اليأس من صلاح الأمة وعودتها إلى طريق الحق, فآثر العزلة الفكرية، أو شارك بفكر سلبي، لبوسه اليأس والوهن .
ومن ناظر إلى هذه المجتمعات على أنها مازالت على سبيل الرشد والاستقامة, سواء في ذلك سلوك الأفراد أو المؤسسات والدول, فانبرى يصحح الواقع ويبرره, ويدين كل دعوة أو خطوة يقوم بها دعاة الإصلاح، وربما أصدر أحكاماً صارمة لا هوادة فيها, تحت ذريعة (الابتداع, أو الشذوذ, أو الخروج) ولم يفرق هؤلاء بين دولة ودولة, أو مجتمع وآخر، ولعل أقسى السيوف التي رفعت في وجه بعض الدعاة سيف (التكفير والتبديع) ؛ فاضطربت الأقوال والأحكام, وضاع الحق بين ذلك.
ومن ناظر إلى هذه المجتمعات بأنها أرض خصبة صالحة للدعوة والإصلاح، مع ما فيها من الوهن, لكن كيف السعي إلى إصلاحها؟
قد يرى بعضهم أن الإصلاح يكون بالتربية وبث الوعي, وقد يرى آخرون أنه يكون بالمشاركة السياسية، وهكذا...
لذا لا نستغرب إذا ما اختلفت رؤية أهل العلم والفكر، أو مواقفهم نحو المشاركة في الانتخابات البرلمانية .
وقد يصعب على الباحث تحديد كل رؤية أو موقف على وجه الدقة، مع معرفة الأدلة بالتفصيل.
تلك مقدمة لابد منها قبل الدخول في الموضوع (مشاركة الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية) .
وموضوعنا كما يبدو له شقان:
الأول: حكم المشاركة في الانتخابات .
الثاني: حكم الانتخابات .
ولا يتصور الجواب عن الشق الأول إلا بعد تصور الشق الثاني, الأمر الذي يفرض تقديم الحديث عن الأخير قبل الأول .
والحديث عن الموضوع برمته يتطلب تقديم قواعد تمهيدية قد تكون من عوامل تقريب الموضوع إلى الذهن والخروج به من كثير من مواطن الاشتباه, أو مفترقات الطرقات .
وأهم هذه القواعد:
القاعدة الأولى: الإسلام كلٌّ لا يتجزأ, وأحكامه سلسلة متصل بعضها ببعض .
فالعبادات والمعاملات متداخلة, ويصعب الفصل بينها, وجذورها متصلة بالعقائد والأخلاق, وذلك مما لا شك فيه.
القاعدة الثانية: أن الولايات العامة؛ كالإمامة الكبرى، والقضاء، والوزارة، والإمارة، والحسبة، وما إليها, كلها ذات طابع ديني, أي أنها شرعية؛ حتى وإن كانت لتنظيم شؤون الحياة الدنيا, كالمواصلات, والاتصالات والصحة والطاقة ... وغيرها.
ولهذا قال العلماء في تعريف الخلافة أو الإمامة: إنها"موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" [الأحكام السلطانية للماوردي ص 5]