تحت شعارات التحديث واللحاق بالعصر الإلكتروني
مبارك عبد الله
تكثر في بعض الأوساط الشبابية الكتابة بالحرف اللاتيني عبر الحاسوب، وذلك إما بسبب كون جهازهم لا يحتوي على نظام يدعم اللغة العربية، أو لكون بعض مواقع الإنترنت لا تسمح بإدخال النصوص باللغة العربية، الأمر الذي يدفع المتحاورين إلى استخدام الحروف اللاتينية"فيستخدمون الرقم 3 للدلالة على حرف العين، و7 للحاء، و6 للطاء، ويضعون إشارة بعدها، لتصبح 3"غينًا، و7"خاءً"، و6"ظاءً".
لقد انعكست هذه الطريقة في الكتابة على كثير من الشباب، وانتشر استخدامها ليس فقط عبر الحاسوب ورسائل هاتف الخلوي، بل أيضًا عبر الرسائل العادية التي يكتبها الشباب فيما بينهم، الأمر الذي يزيد من المخاوف من تفاقم هذه العادة السيئة التي تخدم الأعداء بالدرجة الأولى، وتنفذ لهم برامجهم ومخططاتهم بيسر وسهولة.
أهداف هذه الدعوة
إن الوقفة التاريخية حول بدء الدعوة إلى استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي تبيّن أن جذورها تعود إلى أواسط القرن الماضي، حيث نجحت هذه الدعوة في دفع أتاتورك في تركيا إلى تحويل الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، كما نجحت أيضًا في بعض الدول الإسلامية الأخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا اللتين كانتا تعتمدان الحروف العربية في الكتابة، ومثل ألبانيا والبوسنة ونيجيريا التي نجح الإنجليز في نقل حروف اللغات المحلية فيها من العربية إلى اللاتينية، وقُطعت صلة هذه الدولة بتاريخها العربي عبر القضاء على آثارها العلمية القديمة.
لقد كان لنجاح الاحتلال الغربي في التخلص من الحرف العربي في كثير من الدول أثره في تزايد أطماعه في تمرير دعوته إلى داخل الدول العربية نفسها، وذلك تحت شعارات عديدة، لعل آخرها دعوات العولمة الثقافية ومحاربة الإرهاب وغير ذلك من الشعارات الأخرى.
إن القراءة الموضوعية لأهداف هذه الهجمة الشرسة على الحرف العربي تظهر بوضوح أن المستهدف من وراء هذه الهجمة هو الإسلام والمسلمون الذين يرتبطون باللغة ارتباطًا عقائديًا، ومن الدلائل على ما نقول:
1-تخصيص اللغة العربية من دون سائر لغات العالم بهذه الدعوة، فلا نجد مثل هذه الدعوات عند الأمم الأخرى مثل التايلنديين والصينيين والهنود واليابانيين والفيتناميين والكوريين وغيرهم الذين رفضوا تبني الحرف اللاتيني وأصروا على حرفهم الذي كتب تراثهم، فلم يحدث قط أن اليابانيين أو الصينيين أو الكوريين أو اليهود اقترحوا تغيير حروف لغتهم من أجل اللحاق بما يسمى بالركب العالمي، مع أن المتتبع لبعض هذه اللغات يجدها أكثر تعقيدًا من اللغة العربية، ففيما تقتصر اللغة العربية على 28 حرفًا تحتوي اللغة اليابانية على 880"إيديوجرام" (شكلًا صينيًا) بالإضافة إلى 46 حرفًا أخرى.
2-رفع لواء هذه الدعوة الهدّامة من قبل بعض المستشرقين من النصارى الغربيين والعرب بمشاركة بعض المستغربين من أبناء المسلمين ممن تربّوا على منهجهم واستقوا من منابعهم، فكان على رأسهم المنصر"ماسينيون"، الذي نشر دعوته في المغرب ومصر وسورية ولبنان، ثم تبعه كثير من العرب منهم أنيس فريحة وسعيد عقل من لبنان، وسلامة موسى وعبد العزيز فهمي من مصر، وكان مما قاله هذا الأخير في معرض دفاعه عن الحرف اللاتيني:"الواقع أن اقتراح الخط اللاتيني هو وثبة نحو المستقبل، ولو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التي أغلق عليها هذا الخط أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها".
3-تحذير بعض المنصفين من الباحثين الغربيين من الأهداف المستترة لمثل هذه الدعوات، ومن هؤلاء"إدوارد بنسون"مدير مدرسة اللغات الشرقية في لندن:"حذار من استعمال الحروف اللاتينية في كتابة اللغة العربية.. لأن الحروف العربية هي حروف لغة القرآن، وإذا مسستم الحروف العربية مسستم القرآن، بل هدمتم صرح وحدة الإسلام لأن الإسلام أساسه اللغة العربية، فإذا ضاعت ضاع الإسلام".
4-الإعلان الصريح عن الأهداف والمخططات في الأبحاث والدراسات الغربية والتي تتستر بشعارات عديدة منها العلني مثل الادعاء ب"محاربة الإرهاب"أو"تجفيف المنابع"، ومنها المستتر مثل رفع شعار"التيسير والتطوير"وشعار"مواكبة العصر الألكتروني".
ولقد صدرت تحت هذه الشعارات قوانين ودراسات غربية عديدة دعت إلى اعتماد الحرف اللاتيني في الكتابة العربية، فأصدرت فرنسا في هذا الإطار قرارًا عام 2000م يلزم متعلمي العربية بكتابتها بالحرف اللاتيني.