فهرس الكتاب

الصفحة 4897 من 27364

محمد المصري

من أجل بيان موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية [1] هناك كلمة لا نحسب أنها تغيب عن ذهن القارئ الواعي بأمر هذا الدين، وإن كنا نخشى أن تكون قد تاهت -أو توارت- أثناء الصراع الدائر بين أهل السنة والجماعة والفرق المختلفة الضالة التي تنتسب لهذا الدين.

إن أحد التحديات الخطيرة -إن لم تكن أخطر هذه التحديات على الإطلاق- والتي تواجه أهل السنة والجماعة في هذا العصر لَهِي إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبسة، التي تتخفى وراءها العلمانية الكافرة التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة.

ولفضح العلمانية ومواجهتها لابد أولاً أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الوضوح في نفوس أهل السنة..

فإنه بدون هذا الوضوح تعجز تجمعات أهل السنة -ويعجز علماؤها- عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة، وتتأرجح هي أمام التجمعات الجاهلية -ومنها العلمانية-، حيث تحسبها تجمعات ليست بكافرة، وبالتالي تفقد تجمعات أهل السنة أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء في مواجهة هذه التجمعات الجاهلية من حيث تقف هذه التجمعات الجاهلية فعلاً، لا من حيث تزعم، والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع..

بعيدة جداً.

لابد من توضيح للحقائق وتحديد للمفاهيم: ونظراً لما أصاب كثيراً من التصورات الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان الناس في هذا العصر، ولما يثيره أعداء الإسلام -الظاهرون منهم والمتسترون- من شبهات وأباطيل، فإن من الضروري أن يقوم أهل السنة والجماعة بتجلية تلك التصورات، وكشف هذه الشبهات في كلمة موجزة عن حقيقة العلمانية الكافرة، وبيان أن التوحيد الذي هو أعظم حقيقة في التصور الإسلامي - بل في الوجود كله- هو في الوقت ذاته أكبر نقيض للعلمانية.

ومن ثَم كان لابد من معرفته حق المعرفة والتأكيد عليه في جميع مراحل الدعوة إلى الله، مع بيان سبيل إحياء الأمة في التمسك واتباع مناهج وأصول أهل السنة والجماعة، وإذا كان معنى (لا إله إلا الله) الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وخير تعريف للطاغوت مما ذكره الإمام ابن القيم - رحمه الله: » الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله « [2] .

فإننا نستطيع القول بأن الشرك -الذي ظل عبر التاريخ محور الصراع بين الأمم والرسل- هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين:

أ - الإرادة والقصد. ب- الطاعة والاتباع.

أما شرك الإرادة والقصد:

فهو التوجه إلى غير الله - تعالى -بشيء من شعائر التعبد، كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعاً للتبريرات الجاهلية المردودة القائلة: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3] ، وطاغوت هذا النوع قد يكون صنماً أو وثناً أو ميتاً أو جنيَّاً أو شيخاً..

الخ.

وأما شرك الطاعة والاتباع: فهو التمرد على شرع الله - تعالى -، وعدم قبول حكمه وتحكيمه في شؤون الحياة بعضها أو كلها.

وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، بين الإيمان والكفر، كما أنه السمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ شأنها في الحضارة والمعرفة، (أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) [المائدة: 50] .. (أَم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى: 21] ، وطاغوت هذا النوع قد يكون زعيماً أو حاكماً أو كاهناً، أو قد يكون هيئة تشري عية أو أنظمة وأوضاع وتقاليد وأعراف، أو مجالس نيابية وبرلمانات وقوانين ودساتير وأهواء... الخ.

والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد وهو: تحكيم غير الله والتلقي عن غيره، فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة والقربات، وألا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع لها في كتبه وعلى لسان رسله: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 40] ، فرد الأمر كله إلى الله واتخاذه وحده حكماً في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يصرف شيء منها لغيره، وهذا هو ذات الدين القيم الذي لا يرضى الله - تعالى -سواه، وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ.

إذا تقرر هذا، فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءاً منها فهو طاغوت في أي صورة كان، وفي أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان -فرداً أو مجتمعاً- شاهداً ألا إله إلا الله حقيقة إلا بالكفر بالطاغوت والبراءة منه وأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت