فهرس الكتاب

الصفحة 11458 من 27364

إنَ من يتتبعُ التاريخَ ..ويستعرضُ المواقفَ الحاسمةَ ، والساعاتِ العصيبةَ في تاريخِ الأمةِ ، يرى على رأسِ كلِّ قضيةٍ منهَا ، وفي كلِّ أزمةٍ ومحنةٍ تتهددُ كيانَ هذهِ الأمةِ، وتتحدَى شرفهَا ، وكرامتَها رجلاً من العصاميينَ يستولي على قلبهِ الحزنُ ، والاهتمامُ بهذهِ الحالةِ ، فيذهلُ عن نفسِه وأهلهِ ويهجرُ راحتُه ، ولذتُه ، وتتلخصُ الحياةُ عندهُ في حلِّ هذِه الأزمةِ ، وفضِّ هذهِ المشكلةِ ، فلا يقر لهُ قرارٌ ، ولا يهدأُ له بالُ حتىَّ تنجلي هذهِ الغمرةُ ، ويرى نفسُه مكلفاً بذلكَ ،وكأنمَا خُلِقَ لهُ ،وأُمِرَ بِه ، ولا يرى لنفسهِ عذراً في الاعتزالِ والانصرافِ إلى النفسِ والعيالِ ،وإليكمْ بعضَ النماذجِ من تاريخنَا .

لقدْ علمتمْ ما أصابَ المسلمينَ على إثرِ وفاةِ الرسولِ r من المحنِ ، فقدْ أصيبُوا بِمَا لم تصبْ بهْ أمةٌ في فجرِ حياتِهَا ، وأشرفتْ الدعوةُ الإسلاميةُ على الضياعِ ، حسبكمْ قولُ عروةَ بن الزبيرِ: إنَّ المسلمينَ كانُوا كالغنمِ المطيرةِ في الليلةِ الشاتيةِ ، ولكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى قدْ قيّضَ لهذِه المحنةِ أبَا بكرٍ الصديقَ رضيَ اللهُ عنُه ، فقامَ قيامَ الأنبياءِ ، وليسَ بنبيْ ، وركزَ فكرهُ ، وهمهُ على حراسةِ هذا التراثِ العظيمِ ،وردِّ الأمرِ إلى نصابِه ، وأفرغَ روحهُ في ذلكَ ، وملكتُه هذه الفكرةُ حتى نسيَ نفسُ ، وكلَّ ما عدَا ذلكَ ، وكانَ رجلاً غيرَ الرجال ، لقد عُرِفَ بالرفقِ الزائدِ ، وإيثارِ جانبِ اللينِ دائماً على جانبِ الشدةِ والعنفِ ، فتصلبَ ، وخَشُنَ في هذهِ المرةْ ، حتى فاقَ في ذلكَ عمرَ بن الخطابِ المعروفُ بالشدةِ والصلابةِ ؛ لأنَّ الموقفَ يطلبُ ذلكَ ، رأَى أبو بكرٍ أنهُ القائمُ على هذهِ الأمانةِ العظيمةِ ، والمسؤولُ عنَها ، ففاضتْ على شفتيهِ تلكَ الكلمةُ البليغةُ المأثورةُ التي تُمَثِلِ نفسيتهُ ، وشعورهُ خيرَ تمثيلٍ: أينقضُ الدينُ وأنا حيٌّ ؟ وبهذه الغيرةِ الملتهبةِ ، والقلبِ المتألمِ ، والنفسِ الأبيةِ ، استطاعَ أبو بكرٍ أن يحفظَ هذا الدينَ ويورثهُ الأجيالَ القادمةَ كاملاً غيرَ منقوصٍ ، قالتْ عائشةُ رضي اللهُ عنهَا: لما قُبِضَ رسولُ اللهِ r ارتدتْ العربُ قاطبةً ، واشرأبَّ النفاقُ ، واللهِ لقدْ نزلَ بأبي مَا لو نزلَ بالجبالِ الراسياتِ لهاضَها ‍‍..وصارَ أصحابُ محمدٍ r كأنهمْ معزىً مطيرةٌ في حشٍّ في ليلةٍ مطيرةٍ بأرضِ مسبعةٍ . فوالله ما اختلفُوا في نقطةٍ إلا طارَ أبي بِخُطَمِهَا وعنانهَا وفصلهَا"لذلكَ يقولُ أبو هريرةَ بحقٍ: ( واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ، لولاَ أنَّ أبَا بكرٍ استُخْلِفَ مَا عُبدَ الله ) قالهَا ثلاثاً ‍‍‍."

وإذا انتقلنَا من القرنِ الأولِ إلى القرنِ السابعِ..عندمَا تدفقتْ الجيوشُ الصليبيةُ من أوروبَا ، واكتسحتْ فلسطينَ بما فيَها من إماراتٍ ومقدساتٍ ، وكانتْ كالجرادِ المنتشرِ ، ولم يقفْ في طريقهَا ملكٌ ولا جيشٌ ، وعجزتْ الحكوماتْ الإسلاميةُ عن مقاومتَها ، فاستولتْ على البلادِ والعبادِ ، وهُدِدَتْ هذه الأمةُ العظيمةُ وحضارتهَا ، وكانَ الخطبُ جسيماً ، ووقفَ العالمُ الإسلاميُّ على مفترقِ الطرقِ ، فلو جرتْ الأمورُ إلى مجاريَها لكانَ فريسةَ الاحتلالِ والاستعمارِ في القرنِ السادسِ كمَا كانَ في القرنِ التاسعِ عشرْ ، وكانَ الأمرُ أعظمُ من أنْ يقومَ لهُ ملوكٌ وقوادٌ ، ويكونُ الدفاعُ عن القدسِ واستقلالِ العالمِ الإسلاميِّ ، بعضَ همومْهم أو من هوامشِ حياتِهِم ، إنمَا كانَ ينبغي لهُ رجلٌ يكونُ الأمرُ كلَّ همهِ ، كانَ ذلكَ الرجلُ السلطانَ صلاحَ الدينِ الأيوبي الذي اختارهُ اللهُ لهذه المهمةِ ، وهيأَ هو نَفْسَهُ لها ، فقدْ حَكَى عنهُ صاحبهُ القاضي بهاءُ الدينِ المعروفُ بابنِ شدادٍ أنه تابَ عن المحرماتِ وتركَ الملذاتِ ، ورأَى أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خلقهُ لأمرٍ عظيمٍ لا يتفقُ معهُ اللهوُ والترفُ .

قامَ صلاحُ الدينِ للدفاعِ عن فلسطينَ ، وردِ الغارةِ الصليبيةِ ، وركزَ فكرُه عليهِ ، وتفرغَ لهُ ، واستولتْ عليهِ هذه الفكرةُ استيلاءاً تاماً حتىَ لم تدع لغيرَها موضعاً ..يقولُ ابنُ شدادٍ في سيرتِه: لقد كانَ حبهُ للجهادِ والشغفُ بهِ قدْ استولىَ على قلبِه وسائرِ جوانحهِ استيلاءاً عظيماً ، بحيثُ مَا كانَ لهُ حديثٌ إلا فيهِ ، ولا نظرٌ إلا في آلتهِ ، ولقد هجرَ في محبةِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ أهلهُ وأولادهُ ووطنهُ وسكنهُ وسائرَ بلادِه ، وقَنِعَ من الدنَيا بالسكونِ في ظلِّ خيمتِه ، تهبُّ بها الرياحُ ميمنةً وميسرةً ، وكانَ الرجلُ إذا أرادَ أن يتقربَ إليهِ يحثُه على الجهادِ )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت